الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٢ - ٢- نعمة وسائل المعرفة
لم تكن في الإنسان بصورة فعلية حين ولادته، و إنّما على شكل استعداد و وجود بالقوّة.
و بعبارة أخرى: إنّنا عند الولادة نكون في غفلة عن كل شيء حتى عن أنفسنا التي بين جنبينا، إلّا أن مسألة إدراك الحقائق تكمن فينا بصورة القوّة لا الفعل، و بالتدريج تحصل لأعيننا قوّة النظر و لآذاننا قوة السمع و لعقولنا القدرة على الإدراك و التجزئية و التحليل، فنعم بهذه العطايا الإلهية الثلاث التي بواسطتها نستطيع أن ندرك كثيرا من التصورات و نودعها في العقل لكي ننشئ منها مفاهيم كلية، و من ثمّ نصل إلى الحقائق العقلية بطريق (التعميم) و (التجريد).
و تصل قدرتنا الفكرية إلى إدراك أنفسنا (باعتبارها علما حضوريا) و من ثمّ تتحرر العلوم التي أودعت فينا قوة لتصبح علوما بالفعل، و نجعل بعد ذلك من العلوم البديهية و الضرورية سلّما للوصول إلى العلوم النظرية و غير البديهية.
و على هذا .. فالعموم و الكلية التي نطقت بها الآية (من أنّنا لا نعلم شيئا عند الولادة) ليس لها استثناء و لا تخصيص.
٢- نعمة وسائل المعرفة
ممّا لا شك فيه عدم امكانية استيعاب و دخول العالم الخارجي في وجودنا، و الحاصل الفعلي هو رسم صورة الشيء الخارجي المراد في الذهن و بواسطة الوسائل المعينة لذلك، و عليه .. فمعرفتنا بالعالم الخارجي تكون عن طريق أجهزة خاصّة منها السمع و البصر.
و تنقل هذه الآلات و الأجهزة كل ما تلتقطه من الخارج لتودعه في أذهاننا و عقولنا، و نقوم بواسطة العقل و الفكر بعملية التجزئة و التحليل ..
و لذلك بيّنت الآية مسألة عدم علم الإنسان المطلق حين الولادة: وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ لكي تحصلوا على حقائق الوجود و تدركوها.