الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢١ - ٣- العبادة و التكامل
٣- العبادة و التكامل
و كما هو معلوم فإنّ الإنسان قد بدأ انطلاقته في الحياة من نقطة العدم و لا يزال يسير نحو المطلق، و لن تتوقف عجلة تكامله (ما دام مداوما على الطريق) كما أنّه يمتلك مقومات السير و يمتاز بقابلية فائقة و استعداد كامل في طلبه للتكامل، هذا من جهة.
و من جهة أخرى- تعتبر العبادة مدرسة عالية للتربية، لأنّها توقظ عقل الإنسان، و توجه فكره نحو المطلق، و تغسل غبار الذنوب و الغفلة من قلبه و روحه، و تنمي فيه الصفات الإنسانية الرفيعة، و تقوي إيمانه و تجعله أكثر و عيا و اكبر مسئولية.
فلا يمكن للإنسان الواقعي أن يستغني عن هذه المدرسة الراقية، أمّا الذين يعتقدون بأنّ الإنسان قد يصل إلى درجة معينة لا يحتاج عندها إلى العبادة، فأولئك إمّا أنّهم يعتبرون عملية تكامل الإنسان محدودة و تنتهي بحدّ معين، أو أنّهم لم يدركوا معنى العبادة حقّا.
و للعلّامة الطّباطبائي رحمه اللّه في تفسير الميزان بيان بهذا الشأن، إليك ملخصه، (إن كل نوع من أنواع الموجودات له غاية كمالية، و كذلك الإنسان له غاية تكاملية لا ينالها إلّا بالاجتماع المدني، و لهذا فهو اجتماعي بالطبع، و إن تحقق هذا الاجتماع فسيحتاج أفراد المجتمع إلى أحكام و قوانين ينتظم باحترامها و العمل بها شتات أمورهم، و ترتفع بهذا اختلافاتهم الضرورية، و يقف بها كل منهم في موقفه الذي ينبغي له، و يحوز بها سعادته و كماله الوجودية.
و بعبارة أخرى: إن كان المجتمع الإنساني صالحا أمكن لأفراده الوصول إلى هدفهم النهائي في الكمال، و إن فسد المجتمع تخلف أفراده عن هذا التكامل.
و إنّ هذه الأحكام و القوانين سواء كانت اجتماعية أو عبادية، لا تكون مؤثرة إلّا إذا أخذت من طريق النّبوة و الوحي السماوي لا غير.