الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٢ - أحكام إسلامية مهمّة
الأنبياء عليهم السّلام للإنسان، فالآية- بعد أن تؤكد مرّة أخرى على التوحيد- تقول:
وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً.
كلمة «قضاء» لهم مفهوم توكيدي أكثر من كلمة «أمر» و هي تعني القرار و الأمر المحكم الذي لا نقاش فيه. و هذا أوّل تأكيد في هذه القضية. أما التأكيد الثّاني الذي يدل على أهمية هذا القانون الإسلامي، فهو ربط التوحيد الذي يعتبر أهم أصل إسلامي، مع الإحسان إلى الوالدين.
أمّا التأكيدان الثّالث و الرّابع فهما يتمثلان في معنى الإطلاق الذي تفيده كلمة «إحسان» و التي تشمل كل أنواع الإحسان. و كذلك معنى الإطلاق الذي تفيده كلمة «والدين» إذ هي تشمل الأم و الأب، سواء كانا مسلمين أو كافرين.
أمّا التأكيد الخامس فهو يتمثل بمجيء كلمة «إحسانا» نكرة لتأكيد أهميتها و عظمتها [١].
و من الضروري الانتباه إلى هذه الملاحظة، و هي أنّ الأمر عادة ما ينصبّ على الأمور الإيجابية، بينما جاء هنا في مفاد السلب و النفي (و قضى ... ألا تعبدوا ...) فما هو يا ترى سبب ذلك؟
من الممكن أن نقول: إنّ جملة وَ قَضى ... تتضمن تقديرا جملة إيجابية، يمكن أن نقدرها بالقول: و قضى ربّك أن تعبده، و لا تعبد أي شيء سواه. أو من الممكن أن تكون جملة أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ التي تتضمن «النفي و الإثبات» جملة إيجابية واحدة، إذ هي تحصر العبادة باللّه دون غيره ثمّ تنتقل إلى أحد مصاديق هذه العبادة متمثلا بالإحسان إلى الوالدين فتقول: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما بحيث يحتاجان الى الرعاية و الاهتمام الدائم. فلا تبخل عليها بأي
[١]- يعتقد البعض أنّ كلمة «إحسان» تتعدى غالبا ب «إلى» مثل قولنا «أحسن إليه». و في بعض الأحيان قد تتعدى بالباء. و قد يكون هذا التعبير لإظهار المباشرة، أي إظهار المحبّة و الاحترام مباشرة و بدون أي واسطة. و هذا في الواقع تأكيد سادس في هذه القضية.