الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٢ - ثالثا لا تكن مشركا
ثالثا: لا تكن مشركا:
من أجل التأكيد أكثر على أنّ كل هذه التعليمات إنّما تصدر من الوحي و تتسم بالحكمة، تقول الآية: ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ.
إنّ استخدام كلمة «الحكمة» هي إشارة إلى أنّ هذه التعاليم و النواهي برغم كونها وحيا سماويا إلهيا، إلّا أنّها في نفس الوقت يمكن إدراكها بميزان العقل.
و إلّا فمن يستطيع أن ينكر- عقلا- قباحة الشرك أو القتل أو إيذاء الوالدين أو قبح الزنا و التكبر و الغرور، و ظلم اليتامى و العواقب السيئة لنقض العهود و ما إلى ذلك؟
بتعبير آخر، إنّ هذه التعاليم ثابتة عن طريق العقل كما هي ثابتة عن طريق الوحي الإلهي. و عادة ما تكون جميع الأحكام الإلهية على هذه الشاكلة، بالرغم من أنّ الإنسان لا يستطيع في كثير من الأحيان أن يشخص انسجام جزئيات الأحكام الإلهية مع العقل بحكم عدم كماله، و يبقى بعد ذلك الوحي هو المجال الوحيد لمصداقية دركها و الإيمان بها.
بعض المفسّرين استفادوا من كلمة «حكمة» على أساس أنّ الأحكام المتعدّدة في الآيات السابقة تعتبر من الأحكام الثابتة التي لا تقبل النسخ في جميع الأديان السماوية، إذ لا يمكن- في أي شريعة إلهية- اعتبار الشرك و قتل النفس و الزنا و نقض العهود أمورا جائزة. لذلك فإنّ هذه الأحكام تعتبر من المحكمات و القوانين الثابتة.
بعد ذلك ينتهي الحديث عن مجموع هذه الأحكام بنفس البداية التي انطلق منها، حيث يقول تعالى: وَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ. لما ذا؟ لأنّ المصير سيكون فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً.
و في الحقيقة: إنّ الشرك هو أساس جميع الانحرافات و الجرائم و الذنوب، لذلك فإنّ هذه المجموعة من الأحكام بدأت بالشرك و انتهت به.