الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٣ - الأولى الإفسادان التأريخيان لبني إسرائيل
و إذا أردنا أن نتجاوز كل ذلك، فينبغي أن نلتفت إلى أنّ قوله تعالى: بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تفيد في أنّ الرجال الذين سيؤدبون «بني إسرائيل» على فسادهم و علوّهم و طغيانهم، هم رجال مؤمنون، شجعان حتى استحقوا لقب العبودية. و ممّا يؤكّد هذا المعنى الذي غفلت عنه معظم التفاسير، هو كلمة «و بعثنا» و «لنا».
و لكنّا مع ذلك، لا نستطيع الادّعاء أن كلمة «بعث» تستخدم فقط في مورد خطاب الأنبياء و المؤمنين، بل هي تستخدم في غير هذه الموارد أيضا، ففي قصّة هابيل و قابيل يقول القرآن الكريم: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ [١].
و كذلك الحال في كلمة «عباد» أو «عبد» فهي تطلق في بعض الأحيان على الأفراد غير الصالحين من المذنبين و غيرهم، كما في الآية (٥٨) من الفرقان في قوله تعالى: وَ كَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً و الآية (٢٧) من سورة الشورى، حيث يقول تعالى: وَ لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ و في خصوص المخطئين و المنحرفين نقرأ في الآية (١١٨) من سورة المائدة قوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ.
و لكنّا مع ذلك لا نستطيع أن ننكر- و إن لم تقم قرينة خلاف ذلك- أنّ العباد الذين بعثهم اللّه للانتقام من بني إسرائيل هم من العباد المؤمنين الصالحين.
و خلاصة البحث: إنّ هذه الآيات تتحدث عن فسادين كبيرين لبني إسرائيل، و كيف أنّ اللّه تبارك و تعالى لم يهمل هؤلاء، بل أذاقهم جزاءهم في الدنيا، و بقي عليهم جزاء الآخرة و حسابها، و الدرس الذي نستفيده و الإنسانية جمعا هو أنّ اللّه تعالى لا يهمل الظالمين و لا يسكت على ظلمهم بل علينا أن نعتبر و نتعظ من دروس التاريخ و أحوال الأمم الماضية.
[١]- المائدة، ٣١.