الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٤ - بحوث
الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بهم كثيرا و كذا المسلمون من بعد، و ذلك لأنّهم جعلوا حياتهم المادية و ما يملكون في خدمة الدعوة الإسلامية المباركة، ممّا حدا بالبعض أن يعرض حياته للمخاطر، و البعض الآخر ترك كل أمواله (كصهيب) معتبرا نفسه رابحا في هذه الصفقة المباركة.
و لو لم تكن تلك التضحيات لأولئك المهاجرين لما سمح المحيط الفاسد في مكّة و تحكم الشياطين عليها بأن يخرج صوت الإسلام ليعم أسماع الجميع، و لكتم الصوت و قبر في صدور المؤمنين إلى الأبد، و لكنّ المهاجرين بتحولهم المدروس الواعي و هجرتهم المباركة لم يفتحوا مكّة فحسب، و إنّما أوصلوا صوت الإسلام إلى أسماع العالم، فأصبحت الهجرة سنّة إسلامية تجري على مرّ التأريخ إذا ما واجهت ما يشبه ظروف مكّة قبل الهجرة.
٢- التعبير ب هاجَرُوا فِي اللَّهِ من دون ذكر كلمة «سبيل» إشارة إلى ذروة الإخلاص الذي كان يحملونه أولئك المهاجرون الأول، فهم هاجروا للّه و في سبيله و طلبا لرضاه و حماية لدينه و دفاعا عنه، و ليس لنجاتهم من القتل أو طلبا لمكاسب مادية أخرى.
٣- و تظهر لنا جملة مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا عدم ترك الميدان فورا، بل لا بدّ من الصبر و التحمل قدر الإمكان.
أمّا عند ما يصبح تحمل العذاب من العدو باعثا على زيادة جرأته و جسارته، و إضعاف المؤمنين .. فهنا تجب الهجرة لأجل كسب القدرة اللازمة و تهيئة خنادق المواجهة المحكمة، و يستمر بالجهاد على كافة الأصعدة من موقع أفضل، حتى تنتهي الحال إلى نصر أهل الحق في الساحات العسكرية و العلمية و التبليغية ...
٤- أمّا قوله تعالى: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً «نبوئنهم» من (بوأت له مكانا) أي هيأته له و وضعته فيه- فيشير إلى أن المهاجرين في اللّه و إن كانوا ابتداء يفتقدون إلى الإمكانيات المادية المستلزمة للمواجهة، إلّا أنّهم في النهاية- حتى