الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٣ - دين حق و معبود واحد
«تجئرون»: من مادة (الجؤار) على وزن (غبار)، بمعنى صوت الحيوانات و الوحوش الحاصل بلا اختيار عند الألم، ثمّ استعملت كناية في كل الآهات غير الاختيارية الناتجة عن ضيق أو ألم.
إنّ اختيار هذه العبارة هنا إشارة إلى أنّه عند ما تتراكم عليكم الويلات و يحل بكم البلاء الشديد تطلقون حينها صرخات الإستغاثة اللااختيارية .. و أنتم بهذه الحال، أ توجهون النداء لغيره سبحانه و تعالى؟! فلما ذا إذن في حياتكم الاعتيادية و عند ما تواجهون المشاكل اليسيرة تلتجئون إلى الأصنام؟! نعم. فاللّه سبحانه يسمع نداءكم في كل الحالات و يغيثكم و يرفع عنكم البلاء ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ بالعود إلى الأصنام! و في الحقيقة ... فالقرآن في الآية يشير إلى فطرة التوحيد في جميع الناس، إلّا أنّ حجب الغفلة و الغرور و الجهل و التعصب و الخرافات تغطيها في الأحوال الاعتيادية.
و لكن، عند ما تهب عواصف البلاء تنقلع تلك الحجب فيظهر نور الفطرة براقا من جديد ليرى الناس لمن يتوجهون، فيدعون اللّه مخلصين بكامل وجودهم، فيرفع عنهم أغطية البلاء المتأتية من تلك الحجب، (لاحظوا أنّ الآية قالت:
كَشَفَ الضُّرَّ أي: رفع أغطية البلاء).
و لكن .. عند ما تهدأ العاصفة و يرتفع البلاء و تعودون إلى شاطئ الأمان، تعاودون من جديد على الغفلة و الغرور، و تظهرون الشرك بعبادتكم للأصنام مجددا! و في آخر آية (من الآيات مورد البحث) يأتي التهديد بعد إيضاح الحقيقة بالأدلة المنطقية: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.
و يشبّه ذلك بتوجيه النصائح و الإرشادات لمنحرف متخلف لا يفيد معه هذا الأسلوب المنطقي فيقطع معه الحديث باللين ليواجه بالتهديد عسى أن يرعوي