الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٥ - الوفاء بالعهد دليل الإيمان
و باستعمال صيغة القسم، و ما يؤكّد ذلك ما تبعها من عبارة تفسيرية تأكيدية وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا.
و نتيجة القول: أنّ جملة أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ خاصّة، و جملة لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ عامّة.
و حيث أنّ الوفاء بالعهد أهم الأسس في ثبات أيّ مجتمع كان، تواصل الآية التالية ذكره بأسلوب يتسم بنوع من اللوم و التوبيخ، فتقول: وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً [١].
و الآية تشير إلى (رابطة) تلك المرأة التي عاشت في قريش زمن الجاهلية، و كانت هي و عاملاتها يعملن من الصباح حتى منتصف النهار في غزل ما عندهن من الصوف و الشعر، و بعد أن ينتهين من عملهن تأمرهن بنقض ما غزلن، و لهذا عرفت بين قومها ب (الحمقاء).
فما كانت تقوم به (رابطة) لا يمثل عملا بالا ثمر- فحسب- بل هو الحماقة بعينها، و كذا الحال بالنسبة لمن يبرم عهدا مع اللّه و باسمه، ثمّ يعمل على نقضه، فهو ليس بعابث فقط، و إنّما هو دليل على انحطاطه و سقوط شخصيته.
ثمّ يضيف القرآن الكريم قائلا: تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ [٢]، أي لا تنقضوا عهودكم مع اللّه بسبب أنّ تلك المجموعة أكبر من هذه فتقعوا في الخيانة الفساد.
و هذا دليل على ضعف شخصية الفرد، أو نفاقه و خيانته حينما يرى كثرة أتباع
[١]- «أنكاث»: جمع (نكث) على وزن (قسط) بمعنى حل خيوطه الصوف و الشعر بعد برمها، و تطلق أيضا على اللباس الذي يصنع من الصوف و الشعر، و أمّا محل إعرابها في الآية فهو (حال) للتأكيد على قول البعض، فيما اعتبرها آخرون (مفعولا ثانيا) لفعل «نقضت» أي (جعلت غزلها أنكاثا).
[٢]- «الدّخل»: (على وزن الدغل)، بمعنى الفساد و التقلب و منها أخذ معنى (الداخل)، و ينبغي الالتفات إلى أنّ جملة تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ- على ما قلناه من تفسير- جملة حاليّة، إلّا أنّ بعض المفسّرين اعتبرها جملة استفهامية، و التّفسير الأوّل يوافق ظاهر الآية.