الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٨ - التّفسير
إسرائيل و الحوادث التي تلي ذلك على أنّها عقوبة الهية فتقول: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما و ارتكبتم ألوان الفساد و الظلم و العدوان بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ.
و هؤلاء القوم المحاربون الشجعان يدخلون دياركم للبحث عنكم: فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ.
و هذا الأمر لا مناصّ منه: وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولًا.
ثمّ تشير بعد ذلك إلى أنّ الإلطاف الإلهية ستعود لتشملكم، و سوف تعينكم في النصر على أعدائكم، فتقول: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً [١].
و هذه المنّة و اللطف الإلهي بكم على أمل أن تعودوا إلى أنفسكم و تصلحوا أعمالكم و تتركوا القبائح و الذنوب لأنّه: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها.
إنّ الآية تعبّر عن سنّة ثابتة، إذ أن محصلة ما يعمله الإنسان من سوء أو خير تعود إليه نفسه، فالإنسان عند ما يلحق أذى أو سوءا بالآخرين، فهو في الواقع يلحقه بنفسه، و إذا عمل للآخرين، فإنّما فعل الخير لنفسه، أمّا بنو إسرائيل، فهم مع الأسف لم توقظهم العقوبة الأولى، و لا نبهتهم عودة النعم الإلهية مجددا، بل تحركوا باتجاه الإفساد الثّاني في الأرض و سلكوا طريق الظلم و الجور و الغرور و التكبّر.
تقول الآية في وصف المشهد الثّاني أنّه حين يحين الوعد الإلهي سوف تغطيكم جحافل من المحاربين و يحيق بكم البلاء الى درجة أنّ آثار الحزن و الغم تظهر على وجوهكم: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ.
بل و يأخذون منكم حتى بيت المقدس: وَ لِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
[١]- «نفير» اسم جمع و هي بمعنى مجموعة من الرجال، و قال بعض: هي من «نفر». و «نفر» في الأصل على وزن «عفو» تعني الارتحال و الإقبال على شيء. و لذلك يطلق على الجماعة المستعدة للتحرك باتجاه شيء بأنها في حالة «نفير».