الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٨ - الافتراء
يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ.
اختلف المفسّرون في ذكر اسم الشخص الذي ادّعى المشركون أنّه كان يعلّم النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ...
فعن ابن عباس: أنّه رجل يدعى (بلعام) كان يصنع السيوف في مكّة: و هو من أصل رومي و كان نصرانيا.
و اعتبره بعضهم: غلاما روميا لدى بني حضرم و اسمه (يعيش) أو (عائش) و قد أسلم و أصبح من أصحاب النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و قال آخرون: إنّ معلّمه غلامين نصرانيين أحدهما اسمه (يسار) و الآخر (جبر) و كان لهما كتاب بلغتهما يقرءانه بين مدّة و أخرى بصوت عال.
و احتمل بعضهم: أنّه (سلمان الفارسي)، في حين أن سلمان الفارسي التحق بالنّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في المدينة و أسلم على يديه هناك، و أنّ هذه التهم التي أطلقها المشركون كانت في مكّة، أضف إلى ذلك كون القسم الأعظم من سورة النحل مكي و ليس مدنيا.
و على أيّة حال، فالقرآن أجابهم بقوة و أبطل كل ما كانوا يفترون، بقوله:
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ [١] إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌ [٢] وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ.
فإن كان مقصودهم في تهمتهم و افترائهم أنّ معلّم النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لألفاظ القرآن هو شخص أجنبي لا يفقه من العربية و بلاغتها شيئا فهذا في منتهى السفه، إذ كيف يمكن لفاقد ملكة البيان العربي أن يعلّم هذه البلاغة و الفصاحة التي عجز أمامها أصحاب اللغة أنفسهم، حتى أنّ القرآن تحداهم بإتيان سورة من مثله فما
[١]- يلحدون: من الإلحاد بمعنى الانحراف عن الحق إلى الباطل، و قد يطلق على أيّ انحراف، و المراد هنا: إنّ الكاذبين يريدون نسبة القرآن إلى إنسان و يدعون بأنّه معلم النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم!
[٢]- الإعجام و العجمة لغة: بمعنى الإبهام، و يطلق الأعجمي على الذي في بيانه لحن (نقص) سواء كان من العرب أو من غيرهم، و باعتبر أنّ العرب ما كانوا يفهمون لغة غيرهم فقد استعملوا اسم (العجم) على غير العرب.