الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٥٦ - باب فيه نُكَتٌ ونُتفٌ من التنزيل في الولاية
زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» [١].
أنّ الكناية في قوله: «جَعَلا» غير راجعة إلى آدم وحوّا، بل إلى الذكور والإناث من أولادهما، أو إلى جنسين ممّن أشرك من نسلهما، وإن كانت الكناية الاولى تتعلّق بهما، ويكون تقدير الكلام: فلمّا آتى اللَّه آدم وحوّا الولد الصالح الذي تمنّياه وطلباه، جعل كفّار أولادهما ذلك مضافاً إلى غير اللَّه.
ويقوّي هذا التأويل قوله تعالى: «فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ». وهذا يبتني على أنّ المراد بالتثنية ما أردناه من الجنسين أو النوعين، وليس يجب- من حيث كانت الكناية المتقدّمة راجعةً إلى آدم وحوّا- أن يكون جميع ما في الكلام راجعاً إليهما، لأنّ الفصيح قد ينتقل من خطاب مخاطب إلى خطاب غيره، ومن كناية إلى خلافها، قال اللَّه تعالى:
«إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ» [٢] فانصرف من مخاطبة الرسول إلى مخاطبة المرسل إليهم، وقال «وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ» يعني الرسول ٦، ثمّ قال: «وَ تُسَبِّحُوهُ» [٣] يعني مرسل الرسول؛ فالكلام واحد متّصل بعضه ببعض، والكناية مختلفة كماترى [٤].
أقول: ثمّ استشهد لهذا الباب بعدّة أشعار الفصحاء والقدماء.
قوله: «لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها» [٥]. [ح ٨١/ ١١٦٨]
في سورة الأنعام.
وفي تفسير القاضي:
«هَلْ يَنْظُرُونَ»* أي ما ينتظرون- يعني أهل مكّة- وهم ما كانوا منتظرين لذلك، ولكن لمّا كان يلحقهم لَحْقَ المنتظر شبّهوا بالمنتظرين «إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ»*: ملائكة الموت أو العذاب، [و في النحل]: «أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ» يعني أمره بالعذاب، أو كلّ آياته؛
[١]. الأعراف (٧): ١٨٩- ١٩٠.
[٢]. الفتح (٤٨): ٨- ٩.
[٣]. الفتح (٤٨): ٩.
[٤]. تنزيه الأنبياء، ص ٣٠.
[٥]. الأنعام (٦): ١٥٨.