الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٣٩ - باب مولد أبي جعفر محمّد بن عليّ
«إذا» في جواب «بينا».
قال:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا* * * إذا نحن فيهم سوقة ننتصف
ولا يجيء بعد «إذ» المفاجاة إلّاالفعل الماضي، وبعد «إذا» المفاجاة إلّاالجملة الاسميّة، وكان الأصمعي لايستفصح إلّا تركهما في جواب «بينا» و «بينما» لكثرة مجيء جوابهما بدونهما، والكثرة لاتدلّ على أنّ المكثور وغير فصيح، بل تدلّ على أنّ الأكثر فصيح [١]؛ ألا ترى إلى قول أمير المؤمنين ٧ وهو من الفصاحة بحيث هو: «بينا هو يستقيلها في حياته؛ إذ عقدها لآخر بعد وفاته». [٢]
أقول: هذا الكلام من جملة الخطبة الشقشقيّة [٣]، والمكنّي ب «هو» أبو بكر، والمكنّي ب «ها» في «يستقيلها» الخلافة، و «آخَرَ» عبارة عن عمر، وعقْدها له وصيّة أبي بكر الخلافة لعمر؛ إنّ في ذلك لعبرة لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد. [٤] ولنرجع إلى ما نحن فيه.
قال الرضيّ:
ولمّا قصد إلى إضافة بين- اللازم إضافته إلى المفرد- إلى جملة، والإضافة إلى الجملة كلًّا إضافة على ما تقدّم، زادوا عليه «ما» الكافّةَ؛ لأنّها التي تكفّ المقتضي عن الإقتضاء، أو أشبعوا الفتحة فتولّدت ألف؛ ليكون الألف دليل عدم اقتضائه للمضاف إليه؛ لأنّه كان وقف عليه، والألف قد يؤتى بها للوقف كما في «أنا» و «الظنونا». وأصل «بين» أن يكون مصدراً بمعنى الفراق، وهو مستعمل للزمان والمكان، وأمّا إذا كفّ ب «ما» أو الألف واضيف إلى الجمل، فلا يكون إلّاللزمان؛ لما تقدّم أنّه لا يُضاف من المكان إلى الجمل إلّا «حيث».
و «بين» في الحقيقة مضاف إلى زمان مضاف إلى الجملة، فحذف الزمان المضاف، والتقدير: بين أوقات زيد، فحذف الوقت؛ لقيام القرينة عليه، وهي غلبة إضافة الأزمنة إلى الجمل دون الأمكنة وغيرها، فيتبادر الفهم في كلّ مضاف إليها إلى الزمان، فصار «بين» المضافُ إلى الزمان زماناً. [٥]
[١]. في المصدر: «أفصح».
[٢]. شرح الرضي على الكافية، ج ٣، ص ١٩٥.
[٣]. نهج البلاغة، ص ٤٨، الخطبة ٣.
[٤]. اقتباس من الآية ٣٧ من سورة ق.
[٥]. شرح الرضي على الكافية، ج ٣، ص ١٩٦.