الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٨٠ - باب المؤمن وعلاماته
قوله: (يُحِبُّ في اللَّه بِفقْهٍ وعِلْمٍ، ويَقْطَعُ من اللَّه [١] بحَزْمٍ وعَزْمٍ). [ح ١/ ٢٢٨٠]
هاتان الفقرتان الشريفتان دستور عمل لمن يريد أن يحبّ أحداً في اللَّه، ويبغض أحداً في اللَّه ويقطع عنه، والمؤمن شديد الاحتياج إلى كلّ من جزءيه:
أمّا إلى الأوّل، فلأنّ الجاهل ربّما يرى أنّ محبّة فلان في اللَّه إمّا لأنّه من أرحامه، أو لأنّه قلّد من لا يصحّ تقليده أنّ محبّته واجبة من اللَّه فيغلط، وإمّا في مقدار المحبّة، مثل أن ينصر أخاه على من بينهما منازعة وكان الأخ على غير الحقّ، أو يفضّل أقرباءه وذوي أرحامه في صدقات الناس التي اجتمعت عنده تفضيلًا يُوجب الإجحاف بالفقراء وشدّةَ العسر عليهم، هذا أدنى مراتب الغلط في مقدار المحبّة؛ محبّة الغلاة للأئمّة الهُداة (سلام اللَّه عليهم أجمعين).
وأمّا في أصل المحبّة، كمحبّة أصحاب الجهالات المرتطمين في وحل الشبهات لفلان وفلان و فلان بزعم أنّ لهم عند رسول اللَّه ٦ قدماً، وكان بينهم وبين أمير المؤمنين مضافاة؛ ولمّا لم ينشأ هذه المحبّة من فقه وعلم، بل من تقليد الآباء والأسلاف، ولم يقع الإصابة بحسب الاتّفاق أيضاً، كانت «كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً» [٢] فهل يدفع عطشه حسبان الماء ورجاء الارتواء؛ على أنّ تلك المحبّة أفضت بهم إلى مهالكَ عظيمةٍ، مثل العمل مدّة العمر في عبادة اللَّه تعالى ببدعهم، ومعاداة من خالفهم بفقه وعلم وبصيرة، وسيقولون إذا رأوا ما يوعدون: «لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي» [٣] ولأجل هذا قال اللَّه تبارك وتعالى: «وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى» [٤].
فمن فوائد اقتران الفقه والعلم بالمحبّة أن يعرف المرء أنّ صاحب أيّ صفة يستحقّ أيَّ قسم من المحبّة، وبأيّ شرط مثلًا يعرف أنّ صاحب قرابة الرحم وصاحب الجوار وصاحب الأخلاق الجميلة- مع المشاركة في الدِّين وصاحب التأديب والحضانة- إنّما
[١]. في الكافي المطبوع: «في اللَّه».
[٢]. النور (٢٤): ٣٩.
[٣]. الفرقان (٢٥): ٢٨- ٢٩.
[٤]. طه (٢٠): ٨٢.