الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٣٩ - باب ذمّ الدنيا والزهد فيها
إليه العتبى؛ ضدّ». [١]
ويُحتمل أن يكون المعنى: إن وصفت الدنيا نفسها بقرب المأخذ وسهولة التناول- أي أراكها كذلك- ووجدتها- على خلاف ما وصفت- حروناً شموساً، بعيدَ المأخذ، وعرَ المطلب.
وبالجملة، إن لم يحصل لك منها جميع ما تحتاج إليه كما حصل لأبناء الدنيا، فلا يضيقنّ صدرك، بل ارض بقضاء اللَّه تعالى، فإنّ القضاء دارٌ من تحوّل إليها- أي رضي بالقضاء- استعتبه اللَّه تعالى، أي أرضاه، فالقضاء دار استعتاب.
والغرض التسلية والوصيّة بالصبر (بيت):
با چنين عمرى كه آن جز برق نيست* * * گر بگريى ور بخندى فرق نيست
وبيان أنّه عسى أن يكون حصول ما يريد المرء من الدنيا ضارّاً له، كما قال تعالى:
«عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ» [٢].
ولعلّ الفقرات الأخيرة أشدّ ارتباطاً بهذا المعنى؛ فتدبّر.
ولا يجوز أن يُراد بدار المستعتب دار الآخرة؛ لما سبق من الحديث في باب الخوف والرجاء عن حمزة بن حمران قال: سمعت أبا عبداللَّه ٧ يقول: «إنّ ممّا حفظ من خطب النبيّ ٦ أنّه قال- إلى قوله-: فوالذي نفس محمّدٍ بيده، ما بعد الدنيا من مستعتب، وما بعدها من دار إلّاالجنّة أو النار». [٣]
في النهاية: «استعتب: طلب أن يرضى عنه، ومنه الحديث: ولا بعد الموت من مستعتب، أي من استرضاء» انتهى. [٤]
وفي سورة السجدة: «وَ إِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ» [٥].
ويمكن أن يكون المستعتب فيما نحن فيه بالمعنى الثاني، وداره مجازاً عن كيفيّة
[١]. القاموس المحيط، ج ١، ص ١٠٠ (عتب).
[٢]. البقرة (٢): ٢١٦.
[٣]. الكافي، ج ٢، ص ٧٠، ح ٩.
[٤]. النهاية، ج ٣، ص ١٧٥ (عتب).
[٥]. فصّلت (٤١): ٢٤.