الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٠٢ - باب العفو
ثمّ إنّ وجود هذه الأخلاق في حدّ ذاتها كمال وإن لم يوجد موضع لاستعمالها، فلا مانع لوجودها لأهل الآخرة.
قوله: (نُشَيْب اللفائفي). [ح ٣/ ١٧٩٠]
في الصحاح: «اللفافة: ما يلفّ على الرجل وغيره؛ والجمع: اللفائف». [١]
قوله: (عنقٌ من الناس). [ح ٤/ ١٧٩١]
في القاموس: «العنق- بالضمّ وبضمّتين-: الجماعة من الناس». [٢]
قوله: (الندامة على العفو أفضلُ وأيسرُ). [ح ٦/ ١٧٩٣]
أمّا أنّها أفضل فلأنّه لا يخاف ضرر الآخرة في أنّه لِمَ لم آخذ حقّي الذي هو المجازاة، غاية الأمر أنّ النفس لشدّة حبّ الانتقام بقيت غضوبةً نادمةً، ويمكن تداركها بتسليتها بأنّكِ ملكت خلقاً جميلًا، وسيؤجرك اللَّه أجراً جزيلًا؛ بخلافها في العقوبة، فإنّ فيها خوفَ التعدّي عن القدر الجائز الناشئ من استيلاء الغضب وعدم التثبّت.
وهذا يقع كثيراً في كثير من الناس بالنسبة إلى عبيدهم وإمائهم، وبعد ما انطفت نائرة الغضب يظهر له خطؤه فيندم، ولا يكفي في حقوق الناس مجرّد الندامة، بل يجب الاستحلال بالمال، أو التمكين من القصاص.
وبما قلنا يظهر وجه الأيسرية كما لا يخفى.
والغرض المسوّق له الكلام الحثّ على العفو، فكأنّه يقول: من تردّد في جرم بين أن يعفو ويعاقب، وتثاقل عن العفو خوفاً أن تعرض بعده حالة توجب الندامة عليه، وأراد أن يعاقب ليأمن من الندامة، فليجوّز أن تعرض حالة بعد العقوبة توجب الندامة عليها، والندامة على العفو على تقدير عروض موجبها بعده أفضل من الندامة على العقوبة على تقدير عروض موجبها بعد العقوبة، وأيسر أيضاً، كما بيّن سابقاً، فليؤثر العفو على العقوبة؛ هذا.
وفي الحديث احتمالٌ آخر عندي أنّه أقرب، وهو أن يكون العفو عفو اللَّه تعالى
[١]. الصحاح، ج ٤، ص ١٤٢٧ (لفف).
[٢]. القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٦٩ (عنق).