الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢١٦ - باب طينة المؤمن والكافر
الطينة الطيّبة، مقتضى الحكمة الكاملة ومصلحة النظام الكلّي، ولا ينقلب أحد الدرديّين إلى الآخر، ومَثَل ذلك أنّ المفهوم العامّ الشامل لجميع الأجسام الطيّبة يصحّ أن يُقال: إنّه طينة تلك الأجسام؛ إذ الجميع أفراده، المسكُ فما دونه.
والمفهومَ العامّ الشامل لجميع الأجسام الخبيثة طينتها؛ إذ الجميع أفراده، العذرة فما دونها، وربّما يكتسب جسم طيّب بسبب المجاورة للعذرة نتناً، ولا يصير بذلك عذرة، وربّما يكتسب العذرة اليابسة بسبب المجاورة للمسك ريحاً طيّباً، ولا يصير بذلك مسكاً، ويُلحِق المميّز الناقد كلّاً بأصله.
والفرق بين الممثَّل والممثّل له- بأنّ أحدهما ذو الاختيار، والآخَر عديمه- لا ينافي الاختلاف الذاتي السابق في العلم الأزلي. وقد سبق في كتاب التوحيد كلامٌ مستوفى في هذ الباب، ولنذكر هاهنا ما أفاده المحقّق البارع استاذ الكلّ في الكلّ آقا حسين الخوانساري- (قدّس اللَّه روحه)- في الحاشية التي على شرح المختصر، وقد أدرجها ولده الفاضل الكامل في حواشيه على الشرح المذكور؛ قال طاب ثراه:
قوله: ثمّ نقول: العقل لا يحكم بحسن فعل فيه بحث؛ لأنّ الاضطراري الذي لا يحكم العقل بحسن فعل يصدر معه، ليس هذا المعنى الذي لزم ممّا ذكره؛ لأنّ اللازم ممّا ذكره ليس إلّاأنّه يجب صدور الفعل عن العبد بسبب وجود الاختيار والإرادة فيه، ووجوده فيه ليس باختيار، ولا نسلّم أنّ هذا هو الاضطراري المذكور على أحد وجهين؛ إمّا بأن يصدر الفعل عن الفاعل بدون شعور وإرادة كما يصدر عن الطبائع، وإمّا بأن يصدر عنه مع الشعور لكن بقسر قاسر وجبر جابر، مثل أن يأخذ أحد بيد أحد ويضربَ به رجلًا.
أمّا إذا صدر فعل عن فاعل يكون عالماً به وبمصلحته، ويكون علمه بمصلحته باعثاً له على فعله، حتّى لو لم يكن له ذلك العلم، بل كان له العلم بمصلحة تركه، لما فعله، بل تركه لأجل علمه بمصلحة تركه، فليس هذا اضطراريّاً أصلًا، وإن كان صدور الفعل بعد حصول ذلك العلم بطريق الوجوب واللزوم، سواء كان حصول العلم من نفسه، أو لا.
فإن قلت: هذا مجرّد اصطلاح؛ إذ اصطلحتم على أنّ مثل هذا الفعل يسمّى اختياريّاً، لا اضطراريّاً، والقسمين الأوّلين يسمّيان اضطراريّاً، وإلّا ففي الحقيقة لا فرق بين الأقسام فيما يتعلّق به غرضنا من عدم جواز تعلّق الحسن والقبح، والمدح والذمّ،