رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٨
كان الرأيان سائدين ولكن أئمّة أهل البيت ضربوا على وجه الرأيين وقالوا: إنّ موقف الإنسان بالنسبة إلى اللّه غير موقف الجبر المشوِّه لسُمعة المذهب، وغير موقف التفويض المُلْحِق للإنسان بمكان الشرك، بل موقفه أمر واقع بين الأمرين.
إنّ صيانة التوحيد في الخالقية ليس منوطاً بالقول بالجبر، أو صيانة عدله وقسطه ليس منحصراً بالقول بالتفويض، بل يمكن الجمع بين الرأيين برأي ثالث، وهو انّ الإنسان ذاته وفعله قائمان بذاته سبحانه، و بذلك لا يصحّ فصل فعل الإنسان عنه سبحانه لافتراض قيامهما وعامة العوالم بوجوده سبحانه.
وفي الوقت نفسه انّ فعله غير منقطع عنه، وذلك لأنّ مشيئة اللّه تعلّقت بنظام قائم على أسباب ومسببات، وصدور كلّ مسبب (فعل الإنسان) عن سببه وهو الإنسان، فلا يصحّ فصل المسبّب عن سببه، فالنتيجة هو انّ لفعل الإنسان صلة باللّه وصلة بسببه، وهذا هو الأمر بين الأمرين.
نحن نعتقد بالتوحيد في الخالقية الذي يعبر عنه بالتوحيد الأفعالي، ولكن لا بمعنى إنكار العلل والأسباب وإنكار الروابط بين الظواهر الكونية و نفي أيّ سبب ظلّي يعمل بإذنه سبحانه، فإنّ إلغاء الأسباب مخالف للضرورة والوجدان والذكر الحكيم.
بل بمعنى انّ العوالم الحسيّة والغيبيّة بذواتها وأفعالها قائمة به سبحانه، وكما انّ تأثيرها وسببيّتها بإذنه ومشيئته، فكلّ ظاهرة كونية لها نسبة إلى أسبابها، كما أنّ لها نسبة إلى خالق أسبابها، فإلغاء كلّ سبب وعلّة، ونسبة الظاهرة إلى ذاته سبحانه، غفلة عن تقديره سبحانه لكلّ شيء سبباً، كما أنّ نسبة الفعل إلى السبب القريب وفصله عن اللّه سبحانه غفلة عن واقع السبب وانّه بوجوده وأثره قائم باللّه سبحانه، فكيف يمكن فصل أثره عنه تعالى؟!