رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٠
الغلوّ في أضدادهما، وفي رأيي انّه لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم كان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي، وقد أعجزهم التسليمُ وشلّهم الجبرُ، وقعد بهم التواكل.[١]
ولو كان الكاتب واقفاً على منهج أئمّة أهل البيت في حرية الإنسان ، وحدود سلطان العقل لأذعن بأنّ المنهج في تحديد الحرية، خال عن الغلوّ، وانّه أعطى لكلّ حقّه، فما عاقه القول بالتوحيد في الخالقية، عن القول بحرية الإنسان، وانّ مصيره من حيث السعادة والشقا بيده، كما لم يمنعه القول بتأثير قدرة العبد في انتخابه واختياره عن القول بالتوحيد في الأفعال، وانّ كلّ ما في الكون من دقيق وجليل قائم به سبحانه، ومفاض منه عبر العلل والأسباب .
لم يزل النقاش والجدال قائماً بين الأشاعرة والمعتزلة على قدم وساق، وكلّ يتهم الآخر بأشنع التهم، فالأشعري يتّهم المعتزلي بالشرك وانّ القول باستقلال الإنسان في فعله يستلزم أن يكون للّه شركاء بعدد الإنسان وهم عباده المكلّفون، وهذا يناقض عقيدة التوحيد، وبرهان الوحدانية; كما أنّ المعتزلة تتّهم الأشاعرة بأنّ قولهم بخلق الأعمال لا يتّفق مع القول بعدله وحكمته سبحانه، إذ كيف يثاب المرء أو يعاقب على عمل لم يوجده.
ولو رجع روّاد المنهجين، إلى منهج أئمّة أهل البيت لوقفوا على الحقّ الصراح، وانّ القول بالتوحيد في الخالقية لا يزاحم القول بالعدل والحكمة، (بشرط أن يفسر على النهج الصحيح) وانّ بين الأصلين كمال التلاؤم.
رُوي انّ القاضي عبد الجبار المعتزلي(المتوفّى٤١٥) دخل دارَ الصاحب بن عباد فرأى فيه أبا إسحاق الاسفرائني الأشعري(المتوفّى٤١٣هـ) فقال القاضي:
[١] ضحى الإسلام:٣/٧.