رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٣٩
قبلة لمن خرج عنه، وعلى هذا، فالآفاقي لا يتوجّه إلى الكعبة بل إلى الحرم، حتّى أنّ استقبال الكعبة في الصف المتطاول متعذّر لأنّ عنده جهة كل واحد من المصلّين، غير جهة الآخر، إذ لو خرج من وجه كل واحد منهم خط مواز، للخط الخارج من وجه الآخر، لخرج بعض تلك الخطوط عن ملاقاة الكعبة، فحينئذ يسقط اعتبار الكعبة بانفرادها في الاستقبال، ويعود الاستقبال مختصّاً باستقبال مااتّفق من الحرم.[١]
ثمّ إنّ القول باستحباب التياسر شيئاً طفيفاً مبني على هذا القول. ووجهه ما روي عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ و قد سُئل عن سبب التحريف عن القبلة ذات اليسار؟ فقال: «إنّ الحرم عن يسار الكعبة ثمانية أميال وعن يمينها أربعة أميال، فإذا انحرف ذات اليمين خرج عن حدّ القبلة وإن انحرف ذات اليسار لم يكن خارجاً عن القبلة».[٢]
وهذا الحديث يؤذن بأنّ المقابلة قد يحصل معها احتمال الانحراف.
وقد عرفت أنّ المسألة اختلافية وأنّ التياسر مبنيّ على كون الحرم هو القبلة للآفاقي، وهذا أمر مختلف فيه، ولأجل ذلك استشكل فيه غير واحد من الفقهاء ، منهم المحقّق الأردبيلي، فمن أراد التفصيل فلينظر «مجمع الفائدة والبرهان».[٣]
وعلى كلّ تقدير فهل يصحّ لمؤرّخ موضوعي أن يتّهم الشيعة بهذه التهمة ويلحقهم باليهودية مع أنّك عرفت أنّ المسألة لها جذور في الحديث والفقه، وأنّها اختلافية حسب اختلاف الرؤى في القبلة.
[١] المهذب البارع:١/٣١٣ـ ٣١٤.
[٢] من لا يحضره الفقيه:١/١٧٨، الحديث٢، الباب٤٢ من أبواب القبلة.
[٣] مجمع الفائدة والبرهان:٢/٧١ـ٧٤.