رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٣
٤. انّ ما يواجهه الإنسان في حياته، ممّا يبتلي به غير مريد به كالطوفان الجارف الذي يكتسح مزرعته، والسيل العارم الذي يهدم منزله و بيته، والزلزال الشديد، الذي يزعزع بنيانه وبالتالي يخسر ويتضرر، كلّها بقدر من اللّه سبحانه لا يُلام بها الإنسان ولا يذمّ وهو أيضاً كسوابقه خارج عن محطّ البحث.
فالذي تدور عليه رحى النزاع والدراسة، ما يصدر عن الإنسان من الأفعال التي في وسعه تركها أو فعلها، فهل وقوعها في إطار التقدير يجرّنا إلى القول بالجبر، أو لاصلة بين القول بالقضاء والقدر، واستنتاج الجبر منه؟
وهذا موضوع بحثنا ودراستنا.
إنّ كثيراً من الناس زعموا انّ القول بالقضاء والقدر يضادّ كون الإنسان مخيراً، وقد كان ذلك الزعم سائداً في عصر الإمام أمير المؤمنين حيث أقبل شيخ إلى الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ عند منصرفه من صفين فقال: أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام، أبقضاء اللّه وقدره؟
فقال: «أجل يا شيخُ ما علَوتُم من تلْعة ولا هبطتم من واد إلاّ بقضاء من اللّه وقدره فقال الشيخ: عند اللّه احتسب عنائي يا أمير المؤمنين.[١]
فقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :«يا شيخ، فواللّه لقد عظّم اللّه لكم الأجر في مسيركم، وأنتم سائرون، وفي مقامكم إذ أنتم مقيمون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، لم تكونوا في شيء من حالاتكم مُكْرَهين، ولا إليه مضطرّين».
فقال الشيخ : فكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين، ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا و منصرفنا؟!
فقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :«أتظن أنّه كان قضاءً حتماً، وقدراً لازماً، إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والأمر والنهي، والزجر من اللّه تعالى، وسقط معنى
[١] ومعنى هذه الجملة: انّي لم أقم بعمل اختياري، ولأجل ذلك احتسب عنائي عند اللّه