رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٨
إنّ نفي هذه القدرة والاستطاعة ممّا يأباه العقل والحس، وأمّا إثبات قدرة لا أثر لها بوجه، فهو كنفي القدرة أصلاً. وأمّا إثبات تأثير في حالة لا يفعل، فهو كنفي التأثير، فلابدّ إذاً من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة لا على وجه الإحداث والخلق، فإنّ الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم، والإنسان كما يحسُّ من نفسه الاقتدار، يحسّ من نفسه أيضاً عدم الاستقلال. فالفعل يستند وجوده إلى القدرة، والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر تكون نسبة القدرة إلى ذلك السبب، كنسبة الفعل إلى القدرة، وكذلك يستند سبب إلى سبب آخر حتّى ينتهي إلى مسبب الأسباب، وهو الخالق للأسباب، ومسبباتهاـ المستغني على الإطلاق ـ فإنّ كلّ سبب مهما استغنى من وجه، محتاج من وجه، والباري تعالى هو الغني المطلق الذي لا حاجة له ولا فقر.[١]
قال الشهرستاني بعد ما نقل كلامه هذا: وهذا الرأي إنّما أخذه من الحكماء الإلهيّين، وأبرزه في معرض الكلام. وليس تختص نسبة السبب إلى المسبّب ـ على أصله ـ بالفعل والقدرة (قدرة الإنسان) بل كلّ ما يوجد من الحوادث فذلك حكمه، وحينئذ يلزم القول بالطبع وتأثير الأجسام في الأجسام إيجاداً، وتأثير الطبائع في الطبائع إحداثاً، وليس ذلك مذهب الإسلاميّين، كيف، ورأي المحقّقين من العلماء أنّ الجسم لا يؤثر في الجسم.[٢]
هذا هو ما علّقه الشهرستاني على كلام إمام الحرمين وآخذه عليه، وهو غير صحيح. فإنّ المراد من العلّية الطبيعية بين الأجسام والمظاهر المادية، ليس هو الإيجاد والإحداث من كتم العدم، بل المراد هو تفاعل الأجسام والطبائع، بعضها
[١] الملل والنحل:١/٩٨ـ٩٩.
[٢] المصدر نفسه.