رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣٣
نعم رجع الحجّ إلى زمانه ومكانه في حجّة الوداع قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات و الأرض» وقال القرطبي: يعني رجع أمر الحجّ كما كان، أي عاد إلى يومه ووقته، وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لمّا حجّ:«خذوا عنّي مناسككُم» فبيّن بهذا مواقف الحجّ ومواضعه.[١]
فلو قلنا بهذا الوجه لما كان لقوله تعالى صلة بما يرتئيه الخطيب الخيّاط، إذ ليس هو بمعنى النهي حتّى يكون تكليفاً إلزامياً شاملاً لمطلق الجدال، بل هو كلام خبري، والخبر حقيقة تكوينية وأنّ أمر الحجّ ـ بعد عمل رسول اللّه وتحديده المواقف والمشاعر، وتثبيته في شهر خاصّ ـ أصبح كالشمس في رائعة النهار فهو أرفع من أن يحوم حوله الشكّ من حيث الزمان والمكان. فأيّ صلة لهذا الكلام بحرمة المجادلة أوّلاً، وحرمة المظاهرات السياسية ثانياً، لو قلنا بأنّها من مصاديق الجدال.
قال ابن جرير:
«وأعجب الأقوال إليّ في ذلك ـ إذ كان الأمر على ما وصفت ـ قراءة من قرأ «فلا رفَثٌ وَلا فُسُوقٌ وَلا جِدالَ فِي الحَجَّ» برفع الرفث والفسوق وتنوينهما، وفتح الجدال بغير تنوين، وذلك هو قراءة البصريّين وكثير من أهل مكّة منهم عبد اللّه بن كثير، وابن عمرو بن العلاء».[٢]
وإنّما رفع الأوّلان ونصب الثالث حملاً للأوّلين على معنى النهي كأنّه قيل: فلا يكوننَّ رفث، ولا فسوق، والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنّه قيل: ولا شكّ ولا خلاف في الحجّ، أي في موعده وزمانه.
[١] تفسير القرطبي:٢/٤١٠.
[٢] تفسير ابن جرير:٢/١٦١.