رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣٨
فلو طرحت في أثناء الحجّ مسألة فقهية أو عقائدية أو تفسيرية وعرض كلّ واحد رأيه في المسألة وجادله الآخر بالتي هي أحسن، فلا يكون ذلك حراماً محظوراً بل هو عمل بقوله: (ادْعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَة وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ...) .[١]
ولو جرى بحث في مخيّمات عرفات حول مسألة فقهية أو كلامية فأخذ أحد المسلمين موقفاً خاصّاً، ودافع عن معتقده بالدليل والبرهان من دون إبراز مخاصمة أو لجاج أو عناد فلا شكّ في جواز ذلك، ولا يعدّ ذلك داخلاً في الجدال الوارد في الآية.
هذا ما لدى القوم و أمّا ما عند أهل البيت الذين هم أعدال الكتاب وقرناؤه في لسان النبيّ الأعظم [٢] فقد فسّر الجدال المذكور في الآية بقول الرجل: لا واللّه و بلى واللّه، فإذا حلف بثلاث أيمان متتابعات صادقاً فقد جادل وعليه دم، وإذا حلف بيمين واحدة كاذبة فقد جادل وعليه دم.[٣]
وأين هذا من تحريم مطلق الجدال الّذي يدّعيه القوم؟! وإنّما المحرّم حسب رواياتهم هو الجدال الخاصّ كما عرفت.
لنفترض أنّ الآية تعمّ جميع المجادلات المحرّمة في غير الحجّ والمباحة والمندوبة كافة، غير أنّ المراد هو مجادلة الحاج مع الحاج الآخر، أو مجادلة الحاج مع من في الحرم، وأمّا المظاهرات التي تقوم بها جموع الحجّاج المسلمين وإعلان البراءة
[١] النحل:١٢٥.
[٢] تواتر عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا» وقد نشرت دار التقريب بين المذاهب الإسلامية رسالة خاصة في تحقيق اسناده ومتونه.
[٣] نور الثقلين:١/١٦٢، ولاحظ كتب الحديث كالوسائل وغيره.