رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٨٧
ـ هي الإرشاد والنصح لعامّة الآباء والأبناء.
ويؤيّد ذلك أنّ الإمام يخاطبه بقوله: «إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قَبِلَتْه، فبادرتُكَ بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبُّك».
يخاطبه الإمام بهذا القول مع أنّ الحسن ـ عليه السَّلام ـ كان يومذاك من أبناء الخمسة والثلاثين حيث إنّ الإمام كتبها عند منصرفه من صفين في منطقة «حاضرين» وعندئذ فما معنى قوله «فبادرتك بالأدب» وقد انقضى شبابه والتحق بالكهول [١].
وقد قلنا: إنّ ما سلكه الإمام من الخطاب لولده العزيز والغاية هي عامّة أولاد المسلمين، هو مسلك المصلحين حيث يخاطبون أبناءهم ومَن يتعلّق بهم ويوبّخونهم، لغاية إسماع الغير، وقد ورد في المثل: «إيّاك أُعني واسمعي يا جارة» .
على أنّ المراد من الجهل في العبارة هو الجهل بأسرار القدر وخفاء وجه الحكمة في بعض الأُمور، فلم يدلّ دليل على أنّ السبط الحسن ـ عليه السَّلام ـ يعلم عامّة أسرار الخلقة، ولعلّ هناك علوماً استأثر الله بها لنفسه .
وأمّا الخطبة الرابعة ـ أعني قوله ـ : «اللّهم اغفر لي ما أنت أعلم به منّي فإن عُدْتُ فُعد عليَّ بالمغفرة...».
فالعارف بأدعية الإمام وأهل بيته الواردة في الصحيفة العلوية أو الصحيفة السجادية يعرف أنّ هذه الأدعية لغاية تأديب الناس وتعليمهم كيفيةَ الاستغفار من الذنوب، فاقرأ يا فضيلة الشيخ دعاء «كميل» تجد فيه حلاوة المناجاة، وانّ أكثر ما ذكره الإمام واستغفر منه لا يُحتمل في حقّه، بل لا يحتمل في حقّ من دونه، وإنّما ذكرها تأدّباً وتعليماً.
وهناك بيان آخر ذكره الكاتب الكبير أبو الفتح الإربلي (المتوفّى ٦٩٣ هـ) في
[١] الكهل من كان بين الثلاثين والخمسين في العمر .