رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٤
الوعد والوعيد، ولم تكن لائمة للمذنب، ولا مَحْمَدَة للمحسن، ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب، وتلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمن، وحزب الشيطان وقدرية هذه الأُمّة ومجوسها، وانّ اللّه كلّف تخييراً ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعص مغلوباً، ولم يُطع مكرهاً، ولم يملِّك مفوِّضاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، ولم يبعث النبيّين مبشّرين ومنذرين عبثاً، ذلك ظن الّذين كفروا فويل للّذين كفروا من النار».[١]
والحديث جمع بين القول بين القدر والقضاء وكون الإنسان مخيّراً لا مسيّراً. وانّ الإيمان بالقدر، لا يجعل الإنسان مكتوف اليدين بل هو مختار غير مكرَه.
ولقد بقيت الفكرة بعد رحيل الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ وتسرّبت إلى كثير من الأوساط فجعلوا القضاء والقدر من أدلّة الجبر.
ولمّا كان في القول بالقضاء والقدر وصمة الجبر، أنكرت المعتزلة وقوع الأفعال الاختيارية الصادرة عن العباد متعلّقة بالقضاء والقدر، خلافاً للأشاعرة فقد جعلوا الأفعال متعلّقاً للقضاء والقدر، فقالوا: إنّ قضاء اللّه هو إرادته الأزلية المتعلّقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال، وقدره إيجادها إيّاها على قدر مخصوص وتقدير معيّن في ذواتها وأحوالها .[٢]
أقول: لا شكّ انّ كلّ ما في الكون من كبير وصغير وجليل ودقيق من الجواهر والأعراض كلّها واقعة في إطار القدر والقضاء، غير أنّ استنتاج الجبر من القدر والقضاء، استنتاج خاطئ، بل القول بهما يؤكد الاختيار على خلاف ما يستنتجه القائلون بالجبر. وإليك توضيح المقام فانّه يطلق القضاء والقدر على معنيين:
[١] الصدوق: التوحيد:٣٨٠، الحديث٢٨.
[٢] شرح مواقف:٨/١٨٠ـ١٨١.