رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨
إنّ الثابت عبارة عن الأُصول الفطرية التي لها جذور في عمق الإنسان، وطبيعته، وبما انّ الفطرة الإنسانية واحدة في جميع الشرائط والظروف لا تتغير بتغيّرها، تُصبح الأُصول المبنية على الفطرة الإنسانية أُصولاً ثابتة لا تتغيّر أيضاً، فقوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِوَالإِحْسانِ وإِيتاءِ ذِي الْقُربى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون) [١] ثابت ولا يتغيّر عبر القرون، لأنّ العدل والإحسان قد جبل الإنسان عليهما، نعم ثمة تغيّـر يطرأ على الأساليب المقررة لإجراء تلك الأُصول الثابتة تبعاً لتغيّر الزمان، فهي لم تزل تتغيّر حسب تغيّر الحضارات وهذا التغيّر ليس جوهرياً يمس ثبات تلك الأُصول.
إنّ للإنسان ـ مع غض النظر عن البيئة التي يعيش فيها ـ سلوكاً باطنياً يلازمه ولا ينفك عنه، وفطرة ثابتة ويعدّ جزءاً مهماً من شخصيته يميّزه عن سائر الحيوانات ويلازم وجوده في كلّ زمان ومكان.
فهذا السلوك الباطني الثابت لا يستغني عن قانون ينظم اتجاهاته، ويصونه عن الإفراط والتفريط، فإذا كان القانون مطابقاً لمقتضى فطرته، وصالحاً لتعديل ميولها، لزم خلوده بخلوده، وثبوته بثبوته، فمن زعم أنّ الأخلاق تتطور حسب تطور الظروف والشرائط غفل عن أنّ للإنسان سلوكاً باطنياً وفطرة ثابتة لا تنفك عنه مادام الإنسان إنساناً.
نعم إنّ الذي يتغيّر وتتغيّر بتبعه العادات والتقاليد، لا صلة له بالأخلاق وثباتها، وها نحن نذكر من الأُصول الثابتة في علم الأخلاق نماذج:
١. لا يشك ذو مسكة أنّ بقاء النظام في المجتمع الإنساني رهن قوانين
[١] النحل:٩٠