رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٥
الأمر الثاني: تنمية العلم في ظلّ القول بنظام الأسباب والمسبّبات
قد أوضحنا في محاضراتنا في «الإلهيات» انّ القول بانّ المادة لم تزل أزلية، ولو صارت ذات سنن وقوانين فإنّما هي وليدة الصدفة،لا يدفع بالإنسان إلى التحقيق وسبر أغوار الطبيعية، وذلك إذ لا علم له بوجود سنن وأنظمة في داخل العالم حتّى يبحث عنه الإنسان، فلا محيص للباحث في سنن العالم والمستطلع للحقائق السائدة فيه ـ قبل الفحص عن السنن ـ عن اعتناق نظرية الخلقة وهي انّ العالَم مصنوع علم وقدرة واسعة، أخرجه من العدم إلى الوجود وأجرى فيها سنناً وأنظمة.
والحاصل: انّ الذي يبعث الإنسان إلى الفحص عن النظم والسنن هو نظرية الإلهيّين وهو انّ العالم مخلوق موجود واجب عالم قد مر، وأمّا النظرية الأُخرى أي عدم تدخّل علم وقدرة في النظم والسنن فيعرقل خطا الباحث عن الغور في العالم.
هذا هو الذي أوضحنا حاله في «الإلهيات».
فنقول: إنّ إنكار العلل والمعاليل والأسباب والمسبّبات والاعتقاد بعلّة واحدة مكان العلل نظير القول بأنّ النظام مخلوق صدفة، وذلك لأنّ الذي يبعث الباحث عن الوجود وأسراره هو اعتقاده بانّ كلّ ذرة في ذات هذا العالم مشتملة على قانون يريد أن يستكشفه ويفرغه في قالب العلم، وأمّا إذا اعتقد خلاف ذلك وانّه ليس للعالم إلاّ علّة واحدة وأنكر الأنظمة والسنن فلا يجد في نفسه باعثاً نحو الفحص والتحقيق، إذ لا علم له بوجود السنن والأنظمة حتّى يبحث عنها ، فدعامة العلم لا تقوم إلاّ بالقول بأنّه سبحانه تبارك و تعالى خلق العالم على نظام خاص وأجرى فيه شيئاً هي مظاهر علمه وقدرته.