رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧
فإذا كان النظام السائد على الكون نظاماً مبنياً على العلم والعدل والحكمة فلازم ذلك أن لا يؤخذ البريء بذنب المجرم، فكشف هذا الحكم نظير كشف القوانين السائدة على الكون في العلوم الطبيعية والرياضية والفلكية.
وفي كلام بعض الأشاعرة إلماع لما ذكرنا، يقول النسفي (المتوفّى٥٣٧هـ): وفي إرسال الرسل، حكمة.
ويقول التفتازاني (المتوفّى٧٩١هـ) في شرحه على ذلك الموضع من كلام النسفي: أي مصلحة وعاقبة حميدة. وفي هذا إشارة إلى أنّ الإرسال واجب لا بمعنى الوجوب على اللّه تعالى، بل بمعنى أنّ قضية الحكمة تقتضيه لما فيه من الحِكَم والمصالح وليس بممتنع.[١]
وكلامه هذا نفس ما ذكرناه، وهذا دليل على أنّ الأشاعرة قد أظهروا نوعاً من المرونة للعدلية عبْـر الزمان.
الدوافع من وراء إنكار التحسين والتقبيح العقليّين
إنّ التحسين والتقبيح العقليّين من المسائل الواضحة لدى العقل والعقلاء والتي لا تحتاج إلى مزيد بيان، ومن أنكرهما فإنّما ينكرهما بلسانه دون قلبه، وعلى الرغم من ذلك نرى وجود فئة كبيرة من المتكلّمين ـ كالأشاعرة ـ غلب عليهم إنكار هذا الأصل، فما هو الدافع الذي جرّهم إلى إنكاره؟
أقول: إنّ الدافع من وراء إنكار الحسن والقبح في أفعاله سبحانه غير الدافع الذي جرّهم إلى إنكارهما في أفعال الإنسان.
[١] شرح العقائد النسفية:١٦٤.