رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣٧
استدار وعاد إلى ما كان عليه الحجّ في وقت إبراهيم.
فهذا مجموع ما قاله المفسّرون في هذا الباب.[١]
فهذه الأمثلة تفيد أنّ المراد من الجدال في الآية هو الجدال المنهيّ عنه سواء أكان منهيّاً عنه بالنهي التحريميّ أو النهي التنزيهيّ الكراهيّ.
وجاء في «الفقه على المذاهب الأربعة»: ويحرم الخروج عن طاعة اللّه تعالى بأيّ فعل محرّم، وإن كان ذلك محرماً في غير الحجّ، إلاّ أنّه يتأكّد فيه وتحرم المخاصمة مع الرفقاء والخدم ونحوهم لقوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الحَجّ) والجدال: المخاصمة.[٢]
وعلى ذلك فالجدال المباح والمناقشة من غير أن يثير غضب الآخر كالجدال الوارد في قوله سبحانه: (قَدْسَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الّتي تُجادِلُكَ فِي زَوجِها وَتَشْتَكي إِلى اللّه) خارج عن مصبّ الآية، فلو كانت المرأة الشاكية محرمة، وقد رفعت أمرها إلى النبيّ وطلبت حقّها من زوجها، لم يُعَدّ ذلك من الجدال المحرّم والمراء المنهيّ عنه والمخاصمة المبغوضة بل يعدّ طلباً للحقّ عن طريقه.
روى المفسّرون أنّ امرأة من الأنصار بعد ما ظاهر منها زوجها جاءت إلى النبي وقالت: إنّ زوجي تزوّجني وأنا شابة غانية ذات مال وأهل حتّى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرّق أهلي وكبر سنّي ظاهر منّي... إلى آخر ما ذكرته.
فإذا كان الجدال المباح خارجاً عنها فالجدال المندوب أولى بالخروج منه، كيف لا وقد أمر سبحانه نبيّه بالجدال المندوب في كتابه.
[١] تفسير الإمام الفخر الرازي:١/١٧٥.
[٢] الفقه على المذاهب الأربعة:١/٥٢٤.