رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٣
وبعث العلل نحو المسببات والمعاليل، والكلّ مخلوق له، ومظاهر قدرته وحوله، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه.
فالأشعري، خلع الأسباب والعلل ـ وهي جنود اللّه سبحانه ـ عن مقام التأثير والإيجاد، كما أنّ المعتزلي[١] عزل سلطانه عن ملكه وجعل بعضاً منه في سلطان غيره، أعني: فعل العبد في سلطانه.
والحقّ الذي عليه البرهان ويصدّقه الكتاب هو كون الفعل موجوداً بقدرتين، لكن لا بقدرتين متساويتين، ولا بمعنى علّتين تامّتين، بل بمعنى كون الثانية من مظاهر القدرة الأُولى وشؤونها وجنودها:(وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ)[٢]وقد جرت سنّة اللّه تعالى على خلق الأشياء بأسبابها، فجعل لكلّ شيء سبباً، وللسبب سبباً، إلى أن ينتهي إليه سبحانه، والمجموع من الأسباب الطولية علّة واحدة تامّة كافية لإيجاد الفعل، والتفصيل يطلب من محله، ونكتفي في المقام بكلمة عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «أبى اللّه أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب، فجعل لكلّ شيء سبباً وجعل لكلّ سبب شرحاً».[٣]
وبهذه النظرية ـ أي نظرية كون العالم مخلوقاً على النظام السببي و المسببي وانّ فيه فواعل اضطرارية كما أنّ فيه فواعل اختيارية ـ تتناسق الأُمور الثلاثة الماضية وتتوحّد نتائجها، وهذا بخلاف ما قلنا بالنظرية الأُولى فانّها توجب التضاد بين الأُمور الثلاثة المسلمة الماضية.
[١] انّ المعتزلة، أنكرت صلة أفعال الإنسان باللّه سبحانه، لغاية حفظ عدله وتنزيهه من الظلم والعمل السيّئ، وزعمت انّ وجود الإنسان مخلوق للّه وفعله مخلوق لنفس الإنسان فقط، فأخرجت أفعال العباد عن سلطان اللّه تبارك و تعالى، ونعم ما قال الإمام الكاظم ـ عليه السَّلام ـ : «مساكين القدرية أرادوا أن يصفوا اللّه بعدله، فأخرجوه عن سلطانه».
[٢] المدثر:٣١ .
[٣] الكافي:١/١٨٣، باب معرفة الإمام، الحديث٧.