رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٥
من جهة التأثير والإيجاد ـ وحصول المقدور بها ـ و أجاب عنه: بأنّ التعلّق ليس مقصوراً على الوقوع بها، بل هناك تعلّق آخر غير الوقوع، نظير تعلّق الإرادة بالمراد، والعلم بالمعلوم، فإنّهما يتعلّقان بمتعلّقهما بتعلّق، غير الوقوع ضرورة أنّ العلم ليس علّة للمعلوم، فإذاً لابدّ من إثبات أمر آخر من التعلّق سوى الوقوع.[١]
وقد قام التفتازاني بتفسير الجهتين في شرح مقاصده وقال ما يقرب من كلام الغزّالي:«لما بطل الجبر المحض بالضرورة، وكون العبد خالقاً لأفعاله بالدليل، وجب الاقتصاد في الاعتقاد، وهو انّها مقدورة بقدرة اللّه تعالى اختراعاً وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلّق يعبّر عنه بالاكتساب وليس من ضرورة، تعلّق القدرة بالمقدور أن يكون على وجه الاختراع.[٢]
يلاحظ عليه: أنّ الغزالي لم يأت في تفسير نظرية الكسب بأمر جديد، وحاصله يتلخّص في كلمتين:
١. إنّ دور قدرة العبد ليس إلاّ دور المقارنة، فعند حدوث القدرة في العبد يقوم سبحانه بخلق الفعل.
٢.إنّ للتعلّق أنواعاً ولا تنحصر في الإيجاد والوجود، والإيقاع والوقوع، بل هناك جهة أُخرى يُعبّر عنها بالكسب ـ فالعبد مصدر لهذه الجهة، وبذلك يسمّى كاسباً ـ.
ومع هذا التطويل فالإشكال باق بحاله، فإنّ وقوع الفعل مقارناً لقدرة العبد، لا يُصحّح نسبة الفعل إلى العبد، ولا تحمَّل مسؤوليته، فإنّ نسبة المقارن إلى المقارن كنسبة تكلم الإنسان إلى نزول المطر في الصحراء، فإذا لم يكن لقدرة العبد
[١] الاقتصاد: ٩٢ـ ٩٣.
[٢] شرح المقاصد:١٢٧.