رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٢
منهم ابن كثير في تفسيره حيث إنّه بعد ما أورد طائفة من الأخبار في قصة ملكة سبأ مع سليمان ـ عليه السَّلام ـ قال: والأقرب في مثل هذه السياقات أنّها متلقّاة عن أهل الكتاب، ممّا وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب ـ سامحهما اللّه تعالى ـ في ما نقلاه إلى هذه الأُمّة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب ممّا كان وما لم يكن، وممّا حُرِّف وبُدِّل ونُسِخَ، وقد أغنانا اللّه سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ.[١]
والذي يدلّ على عمق مكره وخداعه لعقول المسلمين أنّه ربّما ينقل شيئاً من العهدين، وفي الوقت ذاته نرى أنّ بعض الصحابة الذين تتلمذوا على يديه وأخذوا منه، ينسب نفس ما نقله«كعب» إلى الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، والذي يبرّر ذلك العمل حسن ظنّهم وثقتهم به، فحسبوا المنقول شيئاً صحيحاً، فنسبوه إلى النبيّ، زاعمين أنّه إذا كان كعب الأحبار عالماً به، فالنبيّ أولى بالعلم منه.
فإن كنت في شكّ من ذلك فاقرأ نصّين في موضوع واحد أحدهما للإمام الطبري في تاريخه ينقله عن كعب الأحبار في حشر الشمس والقمر يوم القيامة، والآخر للإمام ابن كثير صاحب التفسير ينقله عن أبي هريرة عن النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومضمون الحديث ينادي بأعلى صوته بأنّه موضوع مجعول على لسان الوحي نشره الحبر الخادع وقَبِلَه الساذج من المسلمين ونسبه إلى نبي الإسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .
١.قال الطبري: عن عكرمة قال: بينا ابن عباس ذات يوم جالس إذ جاءه رجل فقال: يا ابن عباس سمعتُ العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر قال: وكان متّكئاً فاحتفر ثم قال: وما ذاك؟ قال: زعم يُجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنّهما ثوران عقيران فيُقذفان في جهنم، قال عكرمة: فطارت
[١] ابن كثير: التفسير، قسم سورة النمل: ٣/٣٣٩.