رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٩
والحاصل: انّ الإرادة التفصيلية التي تتألّف من تصوّر الفعل والتصديق بالفائدة ورفع الموانع والشوق المؤكّد ثمّ الجزم والتصميم وإن لم تكن موجودة في الذات ولكن نتيجة الإرادة كون الفاعل مختاراً بالذات، متحقّق في الذات وهي موصوفة بها، فكونه مختاراً جامع لعامّة الكمالات السابقة.
وإن شئت قلت: إنّ الإرادة صفة كمال لا لأجل كونها حادثة طارئة متقضّية بعد حدوث المراد، و إنّما هي صفة كمال لكونها رمز الاختيار وسمة عدم المقهورية حتّى أنّ الفاعل المريد المكرَه له قسط من الاختيار، حيث يختار أحد طرفي الفعل على الآخر تلو محاسبات عقلية فيرجّح الفعل على الضرر المتوعّد به، فإذا كان الهدف والغاية من وصف الفاعل بالإرادة هو إثبات الاختيار وعدم المقهورية فوصفه سبحانه بكونه مختاراً غير مقهور في سلطانه، غير مجبور في إعمال قدرته، كاف في جري الإرادة عليه، لأنّ المختار واجد لكمال الإرادة على النحو الأتم والأكمل.
وقد ثبت في محلّه انّه يلزم في إجراء الصفات ترك المبادئ والأخذ بجهة الكمال، فكمال الإرادة ليس في كونها طارئة زائلة عند إيجاد المراد أو كون الفاعل خارجاً بها عن القوة إلى الفعل أو من النقص إلى الكمال، بل كمالها في كون صاحبها مختاراً مالكاً لفعله، آخذاً بزمام عمله، فلو كان هذا هو كمال الإرادة، فاللّه سبحانه واجد له على النحو الأكمل، إذ هو الفاعل المختار غير المقهور في سلطانه (واللّهُ غالبٌ على أمرِه)[١].[٢]
[١] يوسف:٢١.
[٢] لاحظ الإلهيات:١/١٧٥.