رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣١
المعنى الأوّل: ما ذكره القاضي البيضاوي ومال إليه الرازي[١] من حمل قوله سبحانه: (لا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الحَجّ) على الخبر، ومعناه أنّ الحجّ لا يثبت مع واحدة من هذه الخلال بل يفسد، لأنّه كالضدّ لها، وهي مانعة من صحّته، وعلى ذلك يجب أن يحمل الألفاظ الثلاثة على أعمال تفسد الحجّ، وتوجب القضاء من قابل إذا كان واجباً، فيفسّر «الرفث» بالجماع، و«الفسوق» بالزنا، لأنّه مفسدة، ويحمل الجدال على خصوص الشكّ في الحجّ ووجوبه وصحّة تشريعه وكونه عملاً موافقاً للعقل.
والحاصل: انّ الظاهر هو حصول المضادّة بين هذه الأشياء والحجّ الّذي أمر اللّه تعالى به ابتداءً.
وعلى ذلك... فكما لا يمكن الأخذ بمطلق «الفسوق» إذ ليس كلّ فسوق مفسداً كالكذب والغيبة لا يمكن الأخذ بمطلق «الجدال» إذ ليس كلّ جدال مفسداً غير مجامع مع الحجّ بل جدالاً خاصّاً غير مجامع معه كالشكّ في وجوبه وصحّة تشريعه، والقول بلغوية الطواف على الحجر والتراب والأخشاب.
وهذا المعنى الذي اختاره القاضي وجنح إليه الرازي في تفسيره، هو المختار لكثير من الفقهاء في بعض التراكيب مثل قوله:«لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» أو «لا صلاة إلاّ بطهور» و المقصود نفي الصحّة بدونهما، وأنّ حقيقتهما تتقوّم بهما، كما أنّ المقصود من الآية أيضاً نفي صحّة الحجّ مع أحد هذه الأُمور الثلاثة.
فلو صحّ ذلك الاحتمال، فلا يصحّ الاستدلال معه على ما يرتئيه هؤلاء من حرمة مطلق الجدال، ومنه المظاهرات، إذ الآية بصدد بيان حرمة الجدال الذي لا يجتمع مع صحّة الحجّ، وليس بصدد بيان حرمة كلّ جدال وإن جامع مع صحته.
[١] مفاتيح الغيب:٢/١٧٥ ونقله عن القاضي أيضاً.