رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٠
المفروضة في ظروف خاصّة، فصار الحجّ بمفرده مظهراً لها و مجسّداً لكثير منها حيث نجد فيه الأعمال التالية المعربة عن جانبه العبادي، أعني: النيّة، الطهارة من الحدث والخبث، الصلاة، الصوم، الطواف بالبيت، الذبح للّه، إطعام القانع والمعتر من اللحوم، الاعتكاف الذي يجسده الوقوف في المشاعر، ورجم الشيطان العدو الوحيد للإنسان الذي يوسوس في صدور الناس.
كلّ ذلك يعرب عن أنّ الحجّ عبادة للّه وتقرب إليه يصل به الإنسان إلى مدارج الكمال.
الحجّ ملتقى سياسيّ
إنّ كون الحجّ أمراً عبادياً أو مجسّداً لأكثر العبادات لا ينافي أن يشتمل على بعد آخر فيه حياة للمسلمين وقوام لعيشهم وإقامة لشؤونهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والحكومية، وهذا ما نعبّر عنه بكون الحجّ ملتقى سياسياً تجتمع فيه هذه الآثار الحيوية، وهذا ما يدعمه أيضاً الذكر الحكيم وتؤيّده السنّة النبوية وعمل المسلمين في القرون الإسلامية الأُولى.
أمّا الآيات التي ترمز إلى تلك الأبعاد فنكتفي منها بما يلي:
الف. قال سبحانه: (وَإِذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلّناسِ وَأَمْناً) [١] والمراد من كونه مثابة كونه مرجعاً للناس والمسلمين عامّة، ولأجل انّ الحجّ عمل اجتماعي يجب أن يخيّم عليه الأمن ويسيطر ـ عليه السَّلام ـ ، حتى يقوم الناس بعمل اجتماعي لأهداف اجتماعية، قال سبحانه: (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً)[٢]، وقال تعالى حاكياً عن خليله: (رَبِّ اجْعَل هذَا بَلَداً آمِناً) [٣].
[١] البقرة: ١٢٥.
[٢] آل عمران: ٦٧.
[٣] البقرة: ١٢٦.