رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٦١
وقد جاء في كتب الفريقين: أنّ هشام بن عبد الملك حجّ في خلافة أبيه وطاف بالبيت فأراد استلام الحجر فلم يقدر عليه من الزحام، فنصب له منبر فجلس عليه إذ أقبل عليّ بن الحسين عليمها السَّلام وعليه أزار ورداء، من أحسن النّاس وجهاً وأطيبهم رائحة وبين عينيه سجادة كأنّها ركبة عنز، فجعل يطوف بالبيت فإذا بلغ الحجر تنحّى عنه النّاس حتّى يستلمه هيبةً له وإجلالاً، فغاظ ذلك هشاماً فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الّذي قد هابه الناس هذه الهيبة وأفرجوا له عن الحجر؟ فقال هشام: لا أعرفه، لئلاّ يرغب فيه أهل الشام فقال الفرزدق ـ و كان حاضراً ـ : لكنّي أعرفه، فقال الشامي: من هو يا أبا فراس؟ فأنشأ قصيدة نذكر بعض أبياتها هنا:
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحلُّ والحرمُ
هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم * هذا التقيّ النقيّ الطاهر العلمُ
هذا الّذي أحمد المختار والده * صلّى عليه إلهي ماجرى القلمُ
إلى أن قال:
فجدّه في قريش في أرومتها * مُحمدٌ وعليٌّ بعده عَلَمُ
بدرٌ له شاهدٌ والشِّعب من أُحد * والخندقان ويوم الفتح قد عُلِمُوا
وخيبر وحنين يشهدان له * وفي قريظة يومٌ صيلمٌ قتمُ[١]
وهكذا نجد هذا الشاعر الإسلامي الكبير يجابه ذلك الخليفة الجائر بهذه
[١] الأغاني:٢١/٣٧٦ طبعة بيروت، و مناقب ابن شهر اشوب:٤/١٦٩ وقد نقلت هذه القضية في كثير من الكتب التاريخية والأدبية لاحظ البيان والتبيين والعقد الفريد ومطالب السؤول، وتذكرة الخواص، ونور الأبصار.