رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٩
الثالثة: كلّ فاعل مسؤول عن فعله
إنّ العقلاء قاطبة ـ حتى أهل الحديث والأشاعرة ـ يرى الإنسان مسؤولاً عن فعله وعمله، وليس المحسِن والمسيء عندهم سواسية، بل يُثاب الأوّل، ويُعاقب الثاني، كلّ، وفقَ عمله، ومدى مسؤوليته، وهذا فرع أن يكون للفاعل دور في فعله، وعمله، ولو أصاب رأسه حجر فأدماه، فيحمل مسؤولية الإدماء على عاتق الرامي، دون الحجر، وذلك لأنّ له شعوراً وارادة، دون الآخر، وعلى ضوء ذلك يصف الذكر الحكيم بأنّ الإنسانَ مسؤول عن عمله ويقول: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤولون)[١] بل يعد أدواة المعرفة أيضاً، مسؤولة ويقول (إِنَّ السَّمعَ والبصرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤولاً)[٢] ، وذلك لأنّها بيد الإنسان، أداة طيّعة يستخدمها كيف ما شاء.
فإذا كان هذا لسانَ العقل والعقلاء وصريحَ الذكر الحكيم فلو كانت أفعاله وأعماله، مخلوقة للّه، على نحو تفقد صلتَها بالإنسان، فما معنى كونه مسؤولاً عن عمل، قام به غيره، أو مجزّياً بفعل غيره، وليس لجسمه أو روحه دور، سوى كونه ظرفاً و وعاءً لفعل الغير يخلقه فيه.
إذ كيف يثاب أو يعاقب على ما ليس له فيه شأن؟! وكيف يكون معاقباً وقد جنى غيره وفق قول القائل:
غيري جنى وأنا المعاقَبُ فيكم * فكـأننـي سبّـابــة المتنــدم
إنّ هذه التوالي الفاسدة التي يدركها كلّ إنسان واع ووجدان حرّ دفعت الشيخ الأشعري، ومن لفّ لفّه إلى الخروج عن هذا المأزق باختراع «نظرية
[١] الصافات:٢٤.
[٢] الإسراء:٣٦.