رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٩
ومن هنا يتبين أنّ العبد ليس مجبوراً، لا ظاهراً ولا باطناً، ولا مجزياً على ضلاله بإضلال اللّه إياه، فإنّ هذا أمر تأباه حكمة الحكيم وعدل العادل، وتمنع تصوّره.
القضاء والقدر ليس معناهما الإلزام
وبهذا يكون المؤمنون عمليّين، لا يعتذر الواحد منهم عن تقصير في واجب بالقضاء والقدر، فليس في القضاء والقدر إلاّ العدل المطلق، والحكمة الشاملة العامة، ليس فيهما إلاّ الحكم والترتيب، وربط الأسباب بالمسببات على سنّة دائمة مطّردة، هي أصل الخلق كلّه، وهي أساس الشرائع كلّها، وهي أساس الحساب والجزاء عند اللّه، وليس فيهما شيء من معاني الإكراه والإلزام. وإنّما معناهما الحكم والترتيب، فقضى: حكم وأمر، وقدر: رتب ونظم، وعلم اللّه بما سيكون من العبد باختياره وطوعه ـ شأن المحيط علمه بكلّ شيء ـ ليس فيه معنى إلزام العبد بما علم اللّه أنّه سيكون منه، وإنّما هو العلم الكامل الذي لا يقصر عن شيء في الأرض ولا في السماء، ولا فيما كان وما يكون.[١]
وبذلك تمت المراحل التي مرّت على نظرية الكسب التي شغلت بالَ المفكّرين عدة قرون وتركتْ بصماتِها على ثقافة المسلمين وعلى حياتهم بحجة انّ الإنسان مكتوف اليد، ليس له ولا لقدرته وإرادته أيُّ أثر في حياته.
قال أحمد أمين:غالت المعتزلة، بحرية الارادة، وغلوا فيها أمام قوم، سلَبُوا الانسانَ إرادتَه، حتّى جعلوه كالريشة في مهب الريح، أو كالخشبة في اليمّ. وعندي انّ الخطأ في القول بسلطان العقل، وحرية الإرادة، والغلوّ فيهما، خير من
[١] تفسير القرآن الكريم، للشيخ شلتوت: ٢٤٠ـ ٢٤٢.