رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٤٣
وهو أمر يؤيّده العقل السليم ويؤكّده المنطق المستقيم.
إنّ الإسلام دين شامل أي أنّه نظام عباديّ وسياسيّ واقتصاديّ واجتماعيّ، وأنّه على العكس من اليهودية والنصرانية الحاضرة والمبادئ البشرية الوضعية، ليس إلاّ مجموعة متناسقة من المعتقدات والقوانين والأخلاق في شتّى حقول الحياة، بل و كلّ جزء من هذا الدين هو الآخر خليط مدروس، ومزيج محسوب من الأبعاد المختلفة، وتركيب متوازن من الفرد والجماعة، والعبادة والسياسة والاقتصاد والصحة، والدنيا والآخرة.
بل العبادة في منطق هذا الدين يتسع نطاقها حتّى تشمل الحياة كلّها وتعمّ جميع الأعمال البشرية إذا كانت لأجل اللّه، فلا تقتصر على الشعائر التعبّدية المعروفة من صلاة وزكاة وحجّ، إنّها تشمل كلّ عمل ترتقي به الحياةويسعد به الناس.
ولهذا قال النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لأبي ذر:
«ليكن لك في كلّ شيء نيّة صالحة حتّى في النوم».[١]
فالحجّ كما نكتشف ذلك من الكتاب والسنّة وسيرة السلف وأقوال العلماء المحقّقين لا يتلخّص في كونه موسماً عبادياً ـ بالمفهوم المألوف عند كثيرين ـ بل هو إلى جانب ذلك مؤتمر سياسيّ عالميّ وملتقى اجتماعيّ عامّ يوفّر للمسلمين القادمين من شتّى أنحاء المعمورة فرصة التعارف والتآلف واللقاء والانتفاع بعضهم ببعض، ومداولة أُمورهم، وحلّ مشاكلهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية في جوّ من الأمن والقداسة والصفاء والمحبّة.
وهذا هو ما نبتغي استعراضه والتدليل عليه في هذه الصفحات القلائل مع
[١] مدينة البلاغة في خطب النبيّ وكتبه ومواعظه:١/٤٦٩.