رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٢
اعلم يا أخي أنّ هذه المسألة من أدقّ مسائل الأُصول وأغمضها، ولا يُزيل إشكالها إلاّ الكشف الصوفي، أمّا أرباب العقول من الفرق فهم تائهون في إدراكها، وآراؤهم فيها مضطربة. إذ كان أبو الحسن الأشعري يقول: ليس للقدرة الحادثة (قدرة العبد) أثر، وإنّما تعلّقها بالمقدور مثل تعلّق العلم بالمعلوم في عدم التأثير.
وقد اُعترض عليه بأنّ القدرة الحادثة إذا لم يكن لها أثر فوجودها وعدمها سواء، فإنّ قدرة لا يقع بها المقدور، بمثابة العجز. ولقوة هذا الاعتراض لجأ أصحاب الأشعري إلى القول بالجبر. وقال آخرون إنّ لها تأثيراً ما، وهو اختيار الباقلاني، لكنّه لما سئل عن كيفية هذا التأثير في حين التزامه باستقلال القدرة القديمة في خلق الأفعال، لم يجد جواباً. وقال: إنّا نلتزم بالكسب لأنّه ثابت بالدليل، غير أنّي لا يمكنني الإفصاح عنه بعبارة. وتمثل الشيخ أبو طاهر بقول الشاعر:
إذا لـم يكن إلاّ الأسنّة مركبـاً * فلا رأي للمضطر إلاّ ركوبها
ثمّ قال: ملخص الأمر: أنّ من زعم أنّه لا عمل للعبد، فقد عاند، ومن زعم أنّه مستبد بالعمل، فقد أشرك; فلابدّ أنّه مضطر على الاختيار.[١]
هذا، وقد أحسن الشيخ في نقد الكسب ولكن الإحالة إلى الكشف الصوفي إحالة إلى المجهول، أو إحالة إلى إدراك شخصي لا يكون حجّة للغير.
٤. الشيخ عبده(١٢٦٦ـ١٣٢٣هـ) ، وتأثير قدرة العبد في فعله
لم نجد بين رحيل الشيخ الشعراني عام ٩٣٧هـ إلى عصر مفتي الديار
[١] اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر: ١٣٩ـ ١٤١.