رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩١
فالحجّ بما انّه أمر اجتماعي و ملتقى للشعوب المختلفة، بحاجة إلى استتباب الأمن والهدوء حتى يقوم كلّ إنسان وشعب ببيان فكرته ونظريته ولا يخاف من إنسان ولا دولة، ويتجلّـى الحجّ كمنبر حرّ للمسلمين كلّهم، وهذا ما نعبـّر عنه بكونه عملاً اجتماعياً.
وفي جانب ذلك فالحجّ ملتقى ثقافي يلتقي فيه المفكرون الكبار والعلماء في شتّى الحقول، فيقومون بعرض الاطروحات والتجارب على الصعيد الثقافي والعلمي والاقتصادي كي تتعرف كلّ طائفة على ما عند الأُخرى من الأفكار القيمة والنظريات المفيدة فيؤدي ذلك إلى التقاء الأفكار والاحتكاك بينها.
إذاً الحجّ عمل اجتماعي وملتقى ثقافي وفي الوقت نفسه مؤتمر سياسي سنوي يجتمع فيه قادة المسلمين فيتشاورون في مهام الأُمور بغية التنسيق والتعاون فيما بينهم، ولعلّ إلى تلك الجوانب الثلاثة يشير قوله تعالى: (جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنّاسِ) [١] .
فسواء كان القيام بمعنى القوام وما به حياة المسلمين، أو كان بمعنى ضدّ القعود، فالآية تتضمن نكتة مهمة وهي انّ كيان المسلمين معقود بناصية الحجّ فبه يقومون وفي ظلّه قوام حياتهم، فالآية نظير قوله سبحانه: (وَلا تُؤتُوا السُّفَهاء أَمْوالَكُمُ الَّتي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياماً) [٢] .
فوصف سبحانه أموال الناس بكونها قياماً لهم أي بها يقومون في الحياة، أو بها قوام حياتهم الاجتماعية، فاقتران الآيتين يعرب عن كون الحجّ ركناً في حياة المسلمين وبقاء كيانهم. ويشير أيضاً إلى تلك الجوانب قوله سبحانه: (لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْـمَ اللّهِ فـي أَيّام مَعْلُومات عَلـى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ
[١] المائدة: ٩٧.
[٢] النساء: ٥.