رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣
٥
أدلّة المنكرين للتحسين والتقبيح العقليّين
ذهبت الأشاعرة تبعاً لأهل الحديث إلى أنّ الفعل عاجز عن إدراك حسن الأفعال وقبحها و وإنكارهم هذا أشبه بإنكار السوفسطائيين في إنكار الحقائق الخارجية، حتّى وجودهم وأنفسهم لأجل شبهات واهية، وذلك لأنّه لا يوجد على أديم الأرض إنسان ينكر جداً حسن الإحسان وقبح الظلم، حسن العمل بالميثاق وقبح نقضه، حسن جزاء الإحسان بالإحسان وقبح جزائه بالسوء، إلى غير ذلك من القضايا الواضحة التي تعد أُسساً للحياة الفردية والاجتماعية.
وهؤلاء المنكرون وإن رفعوا راية الإنكار ولكنّهم تراجعوا عنها باختراع معاني متعددة للحسن والقبح فسلّموا حكم العقل بالتحسين والتقبيح في بعضها دون البعض الآخر وليس التعرّف عليها بمهم.
وإنّما المهم في المقام دراسة أدلّتهم على الإنكار، وإليك البيان:
الأوّل: لو كانا بديهيين لما اختلف فيه اثنان
لو كان العلم بحسن بعض الأفعال وقبحها ضرورياً لما وقع التفاوت بينه و بين العلم بزيادة الكل على الجزء، و الثاني باطل بالوجدان، لوقوع الاختلاف بين العلمين، فانّ العلم بزيادة الكلّ على الجزء أوضح و أبين من التحسين والتقبيح.