رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٥
عَنْكُمْ مِنَ ا للّه مِنْ شَيء إِنِ الحُكْمُ إِلاّللّه عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَليهِ فَلْيَتَوَكَّل المُتَوكّلُون).[١]
والمراد من الحكم في الآية الثانية هو الحكم التكويني; بمعنى انّ الكون كلّه بيده ويخضع لتدبيره، وسائر جُمَل الآية يؤيد هذا المعنى، إذ إنّ يعقوب حينما كان يرشد أبناءه إلى سبيل الوصول إلى هدفهم ويوضح لهم طريق النصر ويأمرهم بالدخول من أبواب متفرقة، سرعان ما يقول لهم: (وَما أَغني عَنْكُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ شَيْء إِنِ الحُكْمُ إِلاّللّهِ عَليهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتوكَّل المُتَوكِّلُون) .
ويفيد منحى الآية انّ الهدف منها هو بيان الحكم التكويني للباري تعالى; فقد أشارت إلى ذلك في موضع آخر بالقول:(لَهُ مُلْكُ السَّموات وَالأرض) [٢]، ومراد يعقوب هو انّ جميع الأفعال في الكون وكل الانتصارات والهزائم إنّما هي بيده تعالى، في حين انّ المراد منها في الآية الأُولى هو الحكم التشريعي، أي أنّ اللّه سبحانه هو صاحب الحقّ في الأمر والنهي والتحليل والتحريم، وسرعان ما يقول: (أَمَرَأَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّإِيّاهُ) وكأنّ سائلاً سأله بعد عبارة (إِن الحكم إِلاّ للّه) ، إذا كان منصب الحكم والتشريع مختصاً باللّه دون سواه فما هو حكم اللّه في العبودية؟ فأجابه على الفور:(أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ) .
بناء على ذلك،فانّ المراد من عبارة(إِن الحكم إِلاّ للّه) هو الحكومة التي تقوم على أساس السلطة التشريعية، ومثل هذا المنصب إنّما يختصّ باللّه سبحانه ولا حقّ لغيره في التدخل فيه، والسلطة التشريعية والتقنين شأن خاص باللّه ولا حق لأحد بإصدار حكم أو تشريع فريضة دون إذن منه تعالى.
[١] يوسف:٦٧.
[٢] الحديد:٢.