رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٧٠
المناقشة:
إنّ فضيلة الشيخ يتصوّر أنّ أهل العراق كانوا على رأي واحد، وكانوا كلهم شيعة الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، وذم الإمام ـ عليه السَّلام ـ يتوجّه إلى شيعته وتابعيه، وبذلك استدلّ على أنّ الشيعة خالفوا إمامهم، ولكنّه لو قلب صفحات التاريخ لوقف على أنّ أهل العراق كانت لديهم أهواء مختلفة ومشارب متنّوعة.
يقول ابن أبي الحديد: إنّ أصحاب علي كانوا فرقتين :
إحداهما: تذهب إلى أن عثمان قُتل مظلوماً وتتولاّه وتبرأ من أعدائه.
والأُخرى ـ وهم جمهور أصحاب الحرب وأهل الغَناء والبأس ـ : يعتقدون أنّ عثمانَ قتِل لأحداث أوجبت عليه القتل، وقد كان منهم من يصرّح بتكفيره. وكل من هاتين الفرقتين يزعم أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ موافق لها على رأيها، وتطالبه في كل وقت بأن يبدي مذهبه في عثمان وتسأله أن يجيب بجواب واضح في أمره، وكان ـ عليه السَّلام ـ يعلم أنّه متى وافق إحدى الطائفتين باينته الأُخرى وأسلمته وتولّت عنه وخذلته، فأخذ ـ عليه السَّلام ـ يعتمد في جوابه ويستعمل في كلامه ما يظن به كل واحدة من الفرقتين أنّه يوافق رأيها ويماثل اعتقادها [١].
والإمام وإن كان يخاطب أهل الكوفة ويذمّهم، إلاّ أنّ المجتمع الكوفي لم يكن آنذاك معقل الشيعة حسب، بل كانت تتقاسمه اتجاهات مختلفة :
١ ـ طائفة كانت علويّة الهوى تقاتل مع علي ـ عليه السَّلام ـ عن عقيدة وثبات بما أنّه خليفة الرسول الذي نصّ على خلافته في يوم الغدير وغيره، وهم الشيعة الخلّص كعمار بن ياسر، وحجر بن عدي، وعمرو بن الحَمِق، وصعصة بن صوحان، وزيد
[١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٧ / ٧٣ ـ ٧٤ .