رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٠٢
وقال عبادة بن يسر الكندي: أدركت أقواماً ما كانوا يشدّدون تشديدكم، ولايسألون مسائلكم.[١]
ولكن التورّع عن الإجابة كان لبعض الصحابة دون الأكثرية، فجماهيرهم إذا لم يجدوا جمعوا رؤساء الناس فاستشاروهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قُضي به، وعلى ذلك جرى الخلفاء بعد الرسول .[٢]
يقول عبد اللَّه بن مسعود: من عرض له منكم قضاء فليقضينّ بما في كتاب اللَّه، فإن لم يكن في كتاب اللَّه فليقضينّ بما قضى به نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فإن جاء أمر ليس في كتاب اللَّه ولم يقض به نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب اللَّه ولم يقض به نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولم يقض به الصالحون فيلجتهد برأيه، فإن لم يحسن فليقم ولا يستحي. [٣]
وفي الحقيقة انّ الفقه المبنيّ على هذه الموازين غير المستندة إلى الكتاب والسنّة أشبه بالفقه الوضعي، لأنّه من نتائج الفكر وضرب الآراء بعضها على بعض.
وقد كان عمر بن الخطاب ـ ومن جاء بعده ـ واقفاً على قيمة هذا النوع من الرأي ، فقد روي أنّ رجلاً لقاه، فقال عمر بن الخطاب له: ما صنعت ؟
قال: قضى عليّ وزيد بكذا، قال: لو كنتُ أنا لقضيت بكذا، قال: فما يمنعك والأمر اليك؟ قال: لو كنت أردّك إلى كتاب اللَّه أو إلى سنّة نبيّه لفعلت، ولكنّي أردّك إلى رأي، والرأي مشترك، فلم ينقض ما قال عليّ وزيد. [٤]
[١] سنن الدرامي:١/٤٩و ٥٠.
[٢] اعلام الموقعين:١/٦٢.
[٣] اعلام الموقعين:١/٦٢، ٦٣.
[٤] اعلام الموقعين:١/٦٥.