رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٨
العمل بما قُدّر و قضى ولا يتمكّن من تغييره وتبديله، وبالتالي لا خيرة للإنسان في حياته فيما يختار أو يترك مع أنّه سبحانه يحكم على خلافه ويقول: (وَمَا كانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتَِي بِآيَة إِلاّ بِإِذْنِ اللّه وَلِكلِّ أَجل كتاب* يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتاب).[١]
وهل يمحو إلاّ ما أثبتَ؟! فلو كان قد فرغ من الأمر فما معنى محو ما أثبته وقدّره؟ كيف واللّه سبحانه مبسوط اليد لا يكبّله تقديره وقضاؤه، فله السيادة على القضاء والقدر دونهما عليه؟!
وهذا هو الثعلبي ينقل عن مجاهد قال: قالت قريش: «حينما أنزل (ما كان لرسول أن يأتي بآية إِلاّ بإِذن اللّه) ما لنا نراك يا محمد تملك من شيء وقد فرغ من أمره، فأنزلت هذه الآية تخويفاً ووعداً لهم، أي أن يشأ أحدثها من أمر ـ إلى أن قال: ـ ويُحدث في كلّ رمضان في ليلة القدر ويمحو ويُثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومسائلهم وما يؤتيهم ويُنسأهم له.[٢]
وقد تطرق عن طريق تلامذة الاحبار والرهبان انّه سبحانه يمحو ما يشاء و يثبت إلاّ الحياة والموت والشقاء والسعادة فانّهما لا يتغيران، ونقله السيوطي عن غير واحد من الصحابة والتابعين الذين كانوا يحسنون الظن باحبار اليهود ورهبان النصارى.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى: (يَمْحُوا اللّه ما يَشاء وَيُثبت...) قال: إلاّ الحياة والموت، والشقاء والسعادة فانّهما لا يتغيّران.[٣]
[١] الرعد:٣٨ـ ٣٩.
[٢] تفسير الثعلبي، المسمّى بالكشف والبيان:٥/٢٩٨ ; الدر المنثور:٤/٦٥٩ واللفظ للثاني.
[٣] الدرّ المنثور:٤/٦٦٣، ٦٦١، ٦٦٢.