رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٧٤
بحزن شديد، تُذرف على أثره الدموع ، دون أن يستطيع أن يتمالك حزنه أو بكاءه.
ولا أجد أحداً ينكر هذه الحقيقة إنكارَ جد وموضوعية، ومن الواضح بمكان انّ الإسلام دين الفطرة يجاريها ولا يخالفها.
قال سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)[١].
ولا يمكن لتشريع عالميٍّ أن يمنع الحزن والبكاء على فقد الأحبّة ويحرّم البكاء إذا لم يقترن بشيء يُغضبُ الربّ.
ومن حسن الحظ نرى أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ والصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان ساروا على وفق الفطرة.
فهذا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يبكي على ولده إبراهيم، ويقول: «العين تدمع، والقلب يحزن، ولانقول إلاّ ما يُرضي ربنا، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون» [٢].
روى أصحاب السِّيَر والتاريخ، أنّه لمّا احتضر إبراهيم ابن النبي، جاء ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فوجده في حجر أُمّه، فأخذه ووضعهُ في حجره، وقال: «يا إبراهيم إنّا لن نغني عنك من الله شيئاً ـ ثمّ ذَرفتْ عيناه وقال: ـ إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون، تَبكي العينُ ويحزن القلبُ ولا نقول ما يسخط الربّ، ولولا أنّه أمرٌ حقٌّ ووعدٌ صدقٌ وأنّها سبيل
مأتيّة، لحزَنّا عليك حزناً شديداً أشدّ من هذا».
ولمّا قال له عبد الرحمان بن عوف: «أو لم تكن نهيت عن البكاء»؟ أجاب بقوله: «لا، ولكن نَهيتُ عن صوتين أحمقين وآخرين، صوت عند مصيبة وخمش
[١] الروم: ٣٠ .
[٢] سنن أبي داود: ١ / ٥٨ ; سنن ابن ماجة: ١ / ٤٨٢ .