رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٢٧
قوله: «رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا لله أمره» ـ وضمّه للفقرة الثانية حتى يتمّ استدلاله على ما يرتئيه. غافلاً عن أنّ التنقيب ورائه والله من وراء القصد.
إذا تبين ذلك، نقول: إنّ كلام الإمام يدور حول محورين:
الأوّل: انّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ كان يتنبّأ بالملاحم التي سمعها من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولمّا تفرّس في قوم من عسكره انّهم يتّهمونه فيما يخبرهم به عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ من أخبار الملاحم والغائبات، أجابهم بقوله: «رضينا عن الله قضاءه ـ إلى قوله: فلا أكون أوّل من كذب عليه».
فليس لقوله: «رضينا عن الله» أي صلة بالخلافة، وإلاّ انقطعت الصلة بينه وبين قوله: «أتراني أكذب على رسول الله، والله لأنا أوّل من صدّقه...».
الثاني: انّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ كان يصف حاله بعد رحيل الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، حيث إن الغالبية نسيت أو تناست وصية رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في حق علي وإمامته وخلافته في غير واحد من مواقفه ومع ذلك فقد أوصاه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وعهد إليه أن لا ينازع في أمر الخلافة مع القوم طلباً للمصلحة، فالإمام يحكي هذه الحقيقة بقوله:
«فإذا طاعتي سبقت بيعتي» أي وجوب طاعة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ووجوب امتثالي أمرهُ، سابق على بيعتي للقوم، فلا سبيل لي إلى الامتناع من البيعة، لأنّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أمرني بها.
«وإذا الميثاق في عنقي لغيري»، أي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أخذ عليّ الميثاق بترك الشقاق والمنازعة، فلم يحلّ لي أن أتعدّى أمره أو أُخالف نهيه[١].
وأين هذا الكلام من نفي الوصاية الإلهية؟! بل هو دليل على أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ أمسك ولم ينازع لأجل مصلحة عامّة بعد رحيل الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فلو قام على أخذ حقّه
[١] شرح نهج البلاغة: ٢ / ٢٩٦ .