رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٢
الاختيار ويسود عليها، الجبر والحتم، أو لا؟!
وأمّا ما وراء ذلك من الأُمور الكونية سواء أكان له صلة بحياة الإنسان وأفعاله أم لا، فخارج عن محط النزاع، فالقول بسيادة الجبر عليه، نظر إلى الخصوصيات الكامنة في وجوده، تعبير واضح عن واقع وجوده مثلاً.
١. انّ حركة الشمس والقمر وما بينهما وفوقهما من السيارات والكواكب والمجرّات ، حركات جبرية لأنّه سبحانه قدّر وجودها، وحركاتها بهذه الخصوصية وقضى عليها به ، يقول سبحانه: (وَسَخَّر لَكُمُ اللَّيلَ والنَّهارَ والشَّمسَ والْقَمَر والنُّجُومُ مُسخّراتٌ بأمْرِهِ إِنَّ في ذلكَ لآيات لِقَوْم يَعْقِلُون)[١] فالجميع فواعل، تسخرية غير شاعرة بأفعالها.
٢. ما يقوم به النحل والنمل من الأفاعيل العجيبة، المحيّرة للعقول حركات تسخرية، يقوم به عن شعور، ولكن لا بحرية واختيار فقد كتبت عليهما بقلم الفضاء ان يتخذ من الجبال بيوتاً و الشجر وممّا يعرشون يقول سبحانه حاكياً عن القضاء المحتوم على النحل:(وأوحَى ربّك إلى النَّحلِ أنِ اتَّخذي مِنَ الجِبال بُيوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعرِشُونَ* ثمّ كُلِي مِنْ كِلّ الثَّمَراتِ فَاسلُكي سُبُلَ ربّكِ ذُلُلاً يَخْرجُ مِنْ بُطونها شَرابٌ مُختلِفٌ أَلوانُهُ فيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إِنّ في ذلكَ لآيةً لِقَوم يَتفكّرونَ).[٢]
فالنحل ذاته ووجوده وعمله وصنعه واقع في إطار التقدير و القضاء والنظام السائد على ذلك، هو سيادة الجبر عليه وأشباهه.
٣. انّ خلقة الإنسان ونشوءه من النطفة إلى العلقة، إلى المضغة إلى العظام إلى غير ذلك ممّا يجري عليه إلى أن يوكد وينمو و يشبّ و يشيب، ويموت كلّها واقع في إطار التقدير والقضاء، لا خيار للإنسان فيه، شاء أم لم يشأ، فالقول بسيادة الجبر عليه في هذه المرحلة تعبير واقعي، لا ينافي حكم العقل والشرع.
[١] النحل:١٢.
[٢] النحل:٦٦.