رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٠٠
وقد كان الحوار شعار الأنبياء، وواقع رسالتهم في التبليغ والدعوة إلى الله، ومارسه المسلمون وأصحاب الفكر والنظر منهم ـ خلا بعض الحنابلة كالبربهاويّ ومن تبعه[١] ـ قروناً متطاولة، وكان شعار الجميع قوله سبحانه: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[٢].
وقد عرض القرآن الكريم جانباً من مناظرات الأنبياء وحواراتهم، كما تكفّلت كتب الحديث والتاريخ بعرض جانب آخر منها، ورائدنا في ممارسة هذا الأسلوب الحضاري هو النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي نقل لنا التاريخ حواره مع نصارى نجران وخروجه منه ظافراً، وغير ذلك من الحوارات .[٣]
وممّا لفتَ نظري في هذه الأيّام، هو اطلاعي على كتاب «تأمّلات في نهج البلاغة»، تصدّرته مقدمة لأحد علماء الحنابلة، يدعو فيها إلى تحكيم لغة الحوار، ويتمنى شيوعها في الأوساط الإسلامية بعد غيابها في هذه الأيّام، ويؤكد أن الكتاب الّذي هو بصدد التقديم له أُلِّف على هذا الغرار.
فشكرت الله سبحانه على هذه النعمة، بالتزام جانب المرونة من أحد علماء الحنابلة، وكلِّي أمل أن يكون هذا خطوة على طريق الانفتاح على الآخرين، والتخفيف من سوْرة العنف السائدة في كتاباتهم وأقوالهم وأفعالهم.
وقد وضعتُ هذا المؤلّف لمناقشة ما ورد في الكتاب الآنف الذكر من موضوعات، مستعيناً باللغة الهادئة والحوار البنّاء .
فأقدم كتابي هذا إلى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش ومؤلف
[١] راجع كتاب السنة: ٧١، للبربهاويّ .
[٢] الأنبياء: ٢٤ .
[٣] انظر حواره مع الأنصار في غزوة حنين .